Menu
Menu

في قالوا عنه

نبي فلسطين المقاتل

فلسطين اليوم

حسين البدري:لماذا عاش غسان كنفاني فيما طوى النسيان ذكرى قادة ومثقفين فلسطينيين آخرين؟ تبدو الإجابة على السؤال صعبة لكنها ليست كذلك.

لقد تضافرت عوامل عديدة في نسج الهالة الرسولية التي تحيط بغسان الذي يبدو في المخيلة العربية بعد 47 عامًا على استشهاده، كمثقف يقف وحيدًا في منطقة يغمرها الضياء المنبعث من مسيرته، كتاباته، انتماءه للتنظيم الأكثر راديكالية في الدفاع عن فلسطين انتهاءً بجريمة اغتياله المروعة في سن مبكرة، حتى خطاباته الغرامية الأخاذة يلوذ بها أولئك الذين يعذبهم جوى الحب، إنه يبدو كمسيح فلسطيني معاصر "لم يأتِ ليلقى على الأرض سلامًا بل سيفًا"، رسالته تحرير كامل التراب الوطني، وجيشه وحوارييه في مخيمات اللاجئين، يحرضهم "لك شيئ في هذا العالم فقم".

لم يكن ظهور غسان كنفاني في ستينيات القرن الماضي منبت الصلة عن واقعه الاجتماعي والسياسي، المد الثورى العارم وتشكل الحركات العنفية بلور ظاهرة ثورية فلسطينية كان هو أحد أبرز رموزها، فيما الحنين الراهن البادي على مواقع التواصل الاجتماعي عبر استدعاء مقولاته واقتباسات من نصوصه الأدبية (لا يشاركه في ذلك إلا محمود درويش الذي عاش نحو 40 عامًا بعد استشهاد غسان عن 36 عامًا)، يؤكد الحاجة إلى صورة البطل المفتقدة في الوعى الجمعي العربي في الرموز الثقافية والسياسية المعاصرة التي تملأ الفضاء بحضور أشبه بالغياب.

كان غسان ابن سياق تحرري، وكان من البديهي أن ينتج هذا السياق حاملي أفكاره (مثل فرانز فانون في الثورة الجزائرية وغيره)، وقد أصيبت الثورة الفلسطينية في مقتل بغيابه ثم من بعده وديع حداد، الثنائي لم يعوضهما أحد حتى الآن من كل القوى الفلسطينية.

كان غسان في إبداعه الروائي والقصصي بالغ الدقة والوضوح في آن، لم يلجأ إلى الغموض إلا في صفحات معدودة من كل إنتاجه الأدبي، لم تكن كتاباته ملغزة وعصية على الفهم، شخوصه الروائية والقصصية مثل معظم الفلسطينيين، تحمل همهم الوجودي في ضياع الوطن، وتوقهم إلى لقمة عيش شريفة في الشتات، لقد رأوا أنفسهم في أم سعد وأبو أسعد ومروان والصغير الذي حمل مرتنية خاله إلى صفد، استطاع غسان بحس أدبي بالغ الرهافة أن يصور حيوات الفلسطينيين في زمنه بامتياز.

غسان كنفاني لم يكن بطلًا تراجيديًا يحمل قلمه ضد عصابة استفادت من كل المنجز البشري في عملية إبادة شعب آخر وتهجيره من وطنه وسرقة أرضه، إنما حمل صليب طفولته المغدورة في عكا لحظة التهجير وحوله إلى فوهة بارود، وبعد استشهاده صارت كتاباته بمثابة "كتاب مقدس" مداده الدم، وهو نفسه غادر منزلة الكاتب الموهوب المناضل إلى فضاء يخصه وحده، حيث لا يشاركه أحد.

**

في بدايات مايو الماضي غادر صديقى أحمد جابر مصر، واضطر لأسباب قهرية أن يترك لدي بعض من كتبه، كان منها ثلاثة مجلدات لغسان كنفاني، ناصر ابن أحمد (كما أخبرني والده) بكى وهو يودع القصص والروايات التي تربى على قراءتها، هذا التأثير البالغ لكاتب رحل منذ ما يقرب من نصف قرن في روح طفل صغير تقريبا هو نفسه الذي عاشته الأجيال العربية التي تفتح وعيها في بداية الألفية الثالثة وتيقنت من تخاذل النظام العربي الرسمي عن نصرة الانتفاضة الثانية، ثم التأمر على شعب العراق وتقديمه لقمة سائغة للإمبريالية والغزو نكاية في صدام حسين، تلك الأجيال لاذت بكتابات غسان وبرهنت عن عبقريته عندما أدان القيادة الفلسطينية والعربية في "رجال في الشمس" عبر شخص "أبو الخيزران" ووصمه بالعجز والتسبب في مقتل الفلسطنيين ثم سرقتهم أيضًا، وهذا ما يحدث حتى الآن.

هذه الأجيال العربية هي التي تعيد في الوقت الراهن اكتشاف غسان كنفاني وتراه نبي مقاتل من أجل الحق الفلسطيني، وتقض بصوته المستعاد من صمت القبور البارد مضاجع إسرائيل التي أرادت أن تسكته للأبد، لكنها من حيث لا تدري صنعت أسطورة عربية تلهم الملايين للمقاومة وتشحذ هممهم للكفاح، لقد صنعت دولة الاحتلال بجريمتها البربرية كابوسها الذي صار في الوقت نفسه أيقونة لحلم شباب العربي في الوطن المحرر.

في ذكرى استشهاد غسان (كان ليبلغ اليوم 83 عامًا ويصبح تقريبا في عمر جدي، لكنني اعتبره روائيًا وإبداعيًا شقيقي في الدم)، وأنا أشرُف بالكتابة عنه في المجلة التي أسسها وترأس تحريرها أقول بـ"الصوت الحياني": طبت حيًا وطبت شهيدًا وطبت رفيقًا في طريق الثورة.