Menu
Menu

في قالوا عنه

ماهو المخيم يا غسان؟ أن يحدث ذلك كلّه!

فلسطين اليوم

مروان عبد العال:

تدور الفكرة في مرايا المخيم و بعد 47 سنة على استشهاد غسان كنفاني ، تلك الفكرة المشحونة بكاريزما نادرة لا زالت تمتلك قوة الإلهام والتأثير والتواصل، فكرة مستمرة في حركة تتواصل في خلايا عقله وقلبه، في حياته واستشهاده وذكراه، ومفاعيلها بمرور السنين تتواصل دونما انقطاع. وهو المثقف الفاعل والأخلاقي بالدرجة الأولى وتستجد أسئلته المفككة بسخرية لخبث هذا العالم، كما تعودناه المثقف الذي يفسد على الأنظمة حفلاتها التنكرية.

لعل غسان كنفاني الأجدر في متابعة أخبار أبطاله في المخيم، والأقدر في طرح السؤال مجدداً، وفي وصف ما يستحيل وصفه، من مشهدٍ مفترض في مسرح اللا معقول، خبرة التحليق في المتخيّل والتماهي بملامحه الأسطورية، كما لو أن أحدنا يتربص بذاك الخيط الخرافي الذي يرسم تقاسيم وجه التاريخ بشكل مشّوه، ويتأرجح على قرنيّ ثور هائج، ولجعل القنديل الصغير يرتعد بين يدي حنظلة، وهو يتسلق سلماً يبحث عن الشمس، ليس داخل القصر هذه المرة، بل خلف البحار .

ما هو اللا وطن؟

ماذا كان سيقول لو وجد الحصان الأنيق مذبوحاً على باب المخيم؟ والرجال مع البنادق في ساحات المدن بانتظار البرابرة، والبلاد تمزقها مصارعة همجية لثيران شاردة من العصر الحجري. نجده في اليراع النازف يرنو إلى أفقٍ جديد في أسطورة باقية بعيون فتاة صغيرة تحمل زهرة..

ولكن حدث ذلك كلّه.. وخاصة أن البطل في "عائد الى حيفا" المولود فيها، كان سؤاله لزوجته بعد سنوات على الاقتلاع، وفي زيارة مستعجلة، طرحت مقارنة بين الوطن والمنفى، فكان سؤاله العميق والبسيط "أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله". لكن الأمر مختلف إن كان السؤال لجيل لا يعرف اساساً ما هو الوطن، وطن يحبه ولكن لم يعشه ومستعد للموت في سبيله، مقاربة اخرى بين جيلين، جيل يعرف الوطن ومعنى العيش بدونه، وجيل لم يجرب ولكن يعرف معنى اللاوطن، ويعرف بقوة ما هو المخيم؟!.. فان كان جواب الاول أن لا يحدث ذلك كله، فالمنفى يلغي أداة النفي، ليحدث ذلك كله.

يحدث ذلك كله، ولا شك في الأمر؛ ففي ذاكرة المخيم بعض من رائحة البلاد، لم يشمها قبل ذلك ولكنه يحدث، ونكهة البرتقال التي لم يذقها فعلاً، والثوب المطرز الجميل، تحيكه ما تبقى من نساء البلاد .

يحدث أن تجد في كل بيت فلسطيني خارطة، أو صورة على الحائط،  أو مفتاح في عنق عجوز، أو حكاية حزن، وأمسيات تختلط فيها يوميات من تفاصيل ومواسم وحيوات وشهداء، وعقال جد برائحة الارض، وكوفية تستلقي على كتف شاب، وشهادات مدرسية باهتة اللون، وعائلة توزعت على أقطاب الأرض.

ما حدث ويحدث في قصته القصيرة (الصغير يذهب إلى المخيم) كتب "....كنا نقاتل من أجل الأكل، ثم نتقاتل لنوزعه فيما بيننا، ثم نتقاتل بعد ذلك. ثم في أية لحظة سكون، يخرج جدّي جريدته المطوية باعتناء من بين ملابسه ناظراً إلى الجميع بعينيه الصغيرتين المتحفّزتين، معنى ذلك أن خمسة قروش قد سرقت من جيب ما – إذا كان فيه هناك خمسة قروش – أو من مكان ما...".

خزان المخيم والشمس

يحدث ذلك كله، يوم استحال المخيم إلى خزان لا تدقه الشمس، وممنوع على قبضات الرجال أن تزعج مضاجع النيام، لا ترى ما خلف جدرانه التي تنمو بصمت وتقفل طريق الشمس، وتتشح الحارات بألعاب طفولية وكوابل صدئة وأسلاك كهربائية مكشوفة وشبكات عنكبوتية.

تنساب مصارف المياه الآسنة تتحد في تشكل في الطرقات لتعانق المجاري المكشوفة، فتبدو كلوحةٍ تعبيرية عبثت بها حاجة النزلاء، واختلطت فيها أٍسماءهم وذكرياتهم وهواجسهم، كأنهم الآن في حالة نزوح دائري، قديم وجديد، لجوء مكرر، في حالة إياب وذهاب، من جنسيات مختلفة، من أمكنة وحروب همجية متعددة، ولكنهم يشبهون كثيراً من غادروا الجليل يوماً.

المخيم أن يدفن الأحياء وينهض الشهداء، مثل مجزرة القرن التي يقسم أنها لن تتكرر  ولكنها مستمرة، يحدث ذلك في رائحة الأزقة والجثث الحية ومرضى بالربو أو أمراض وآفات أخرى عديدة، وضحايا زواريب الرطوبة والعتمة والاختناق، في تلاحم بين الموت بالساطور  وموت بالهواء الملوث. والقاتل في الحالتين واحد وثابت، والضحية ذاتها ولكنها متحركة ..!

خيمة عن خيمة مرة أخرى

تعرف ما هو المخيم؟ إن امتلاك ساعة عداد كهرباء من شركة الكهرباء يعتبر شكل من أشكال التملك، والتملك يعني التوطين! يعني بيع فلسطين!.. بيع فلسطين بساعة عداد كهرباء! أنت تريدها لا لتدفع الفاتورة، وأن تكون في قلب النظام وبالقانون، بل لإنك ًتخليت عن فلسطين!

يحدث ذلك كلّه.. كما كتبت ووصفت وقلت عن أم سعد "...هي المسحوقة الفقيرة المرمية في مخيمات البؤس.. نعم المخيمات التي عشت فيها ومعها.. ثم أضفت: لست أدري كم عشت لها.." من أجل الموت بصعقات الأسلاك الكهربية؟ أزقة المخيم التي من الموت السلبي.. والعشوائي!

يحدث ذلك كلّه، و"سعد" ابن المخيم يبحث عن مكان ومستقبل وأرض لأحلام جديدة، في بلاد المنفى البارد، و"أم سعد" تجمع ألبومات الصور في حقيبة، وتتمنى لأحفادها لجوء إنساني بشروط هجرة عصرية، وطلق زغرودة إن استطاع "سعد" أن يلم شمل العائلة في خيمة جديدة، وتوزع الحلوى حين ينال التأشيرة.

يحدث أن تذرف دمعته السخية، حين تسمع عن "سعد" أنه أصبح غريباً غير مرغوب فيه، محروم من الوطن والسكن والعمل، وتدور طاحونة الكلام في حلقة الفراغ على طاولات إخوة الدم  والضاد والخيمة.

يحدث أن تتلوث السياسة في مستنقعات اللغة العفنة ويصبح مفهوم "الوطنية" ضحية  الإثارة الغرائزية، وبدل أن يكون كل الوطن يصبح ضد الكل والوطن، وتتقزم الهوية بما يجعلها تحت الخصوصيات والجهات وليس فوقها، يحدث في زمن توزيع "الوطنية" على الطوائف والغرق في انعزال جديد لتفكيك الهوية العربية.

التفريط بشعب فلسطين

يحدث ذلك كله، وتسأل كيف يكون الشعار المغري برفض قطعي للتفريط بفلسطين؟  وينتهي الى التفريط العملي بالشعب الفلسطيني! ثم يختتم بالتفريط الطوعي بالقضية الفلسطينية. الصفقة أن يتحد ضدك وعليك (أعداء العرب والعرب الأعداء معاً). حتى لا تعود الخيمة عن خيمة تفرق، منذ أن دخلت رأس البيت الأبيض ليقفل طريق العودة، حتى وكالة غوث اللاجئين "أونروا" وصفها اليانكي: إنها عبارة عن "ضمادة". وأن الوقت قد حان لكي تتسلم الدول المستضيفة للاجئين، أوالمنظمات غير الحكومية، والخدمات التي تقدمها الوكالة الدولية. وأن "نموذج الأونروا خذل الشعب الفلسطيني".

يوم أدرنا ظهورنا للشمس!

غسان كنفاني الذي امتشق الفكرة المقاومة لأن النضال هو الوطن! فليس لديه قصة عشق تضاهي عشق فلسطين.. سلاحه هذه الفكرة النقية والشغف الثوري: حين كتب هذا المقطع من قصة موت سرير رقم 12: "كم نحن محبوسون في أجسادنا وعقولنا! إننا دائماً نعطي الآخرين صفاتنا وننظر إليهم من خلال مضيق من آرائنا وتفكيرنا. نريدهم أن يكونوا "نحن" ما وسعنا ذلك، نريد أن نحشرهم في جلودنا، أن نعطيهم عيوننا كي ينظروا بها، وأن نلبسهم ماضينا، وطريقتنا في مواجهة الحياة، ونضعهم داخل أطر يرسمها فهمنا الحالي للزمان والمكان".

لماذا يحدث ذلك كله؟ سيسخر ثانية ويقول: من أجل حفنة من الدولارات، لكنه سيظل قابضاً على روح التفاؤل عند أجيال قادمة كما كتب في شبابه أيام النزوح الأول:

".. سأل الطفل عدنان شقيقه غسان الذي يكبره بأربعة أعوام عن الشمس، قائلاً: «هذه شمسنا؟»، ليردّ غسّان: «إنها الشمس ذاتها، نحن فقط أدرنا ظهورنا!».