Menu
Menu

في قالوا عنه

تغريد عبد العال تكتب: سؤال الإنسان في قصص غسان كنفاني

غزة _ بوابة الهدف

لم يكن قول غسان (الإنسان في نهاية الأمر قضية) مجرد شعار ، فنحن نجد في قصص غسان ما نفتقده في ما يسمى اليوم أدب المقاومة، نرى الإنسان من الداخل ، في شحوبه وألمه. يحاول غسان أن يقترب من التفاصيل لكي تخرج لوحة القصة كاملة وتقدم لنا سؤالًا جديدًا كل مرة. يسأل أسئلته الشخصية عن الحياة والموت والحب والخوف والعزلة ، ليجد أحيانًا إجاباته في حيوات الناس العاديين وسيرهم الخاصة ومكونات أعماقهم الشخصية.

لم يطرح غسان قضية فلسطين إلا من خلال التسلل إلى تفاصيل الحياة ورؤيتها عن قرب ، ومعايشة الهموم الصغيرة للناس العاديين وطرح أسئلتهم اليومية عن الحياة ومن هنا يكمن سر انتماء هذه القصص إلى أي زمان ومكان ، ومن هنا سر حداثتها وما يجعلنا جاهزون دائمًا لإعادة قراءتها مرة أخرى.

يحمل غسان ميكروسكوبًا خاصًا ويقترب من المجتمع ، فتبدو الرؤية أوضح وأوسع ، حيث نرى الأشياء الهامشية التي يعجز عن رؤيتها البعيدون ، كلما اقتربنا من قصص غسان فكأننا نقترب من قصيدة يومية ، عاش فيها كإنسان في مأزقه الوجودي.

المخيم أيضًا كان مكانًا حقيقيًا في قصص غسان ، لم نعد نراه مجرد مكان للثورة ، بل أصبح ذاك المكان الغريب ، الذي يعيش أبطاله قصصهم الحقيقية ، صرنا نرى أطفاله في الأزقة ونحلم مع نسائه أحلامهم اليومية ، وحتى في زمن الاشتباك يسرقنا نظرات الناس وخوف الأطفال وعيون البومة الخائفة.

دخل غسان مكانا خطرًا في عمق المكان ، فقد وصل إلى سيكولوجيا العيش وأنثروبولوجيا الهزيمة. وهذا ما جعل قصصه ورواياته ولوحاته تخرج من إطار المحلية لتصل إلى العالم ، إنها روايات حديثة عن أمكنة محلية ، كانت الذات هي مركزها والإنسان هو محور اهتمامها وفلك فلسفتها.

ففي قصة بعنوان (الصغير يذهب إلى المخيم) تكمن روعة الوصف ، فبالرغم أن غسان يكرر كثيرًا مقولة أن القصة حدثت في زمن الاشتباك إلى أن تفاصيل القصة تذهب باتجاه آخر ، فيحكي غسان عن اكتشافه لخمس ليرات على الأرض في السوق وتحت حذاء الشرطي ، بينما كان يجمع الخضار الفاسد فيقول غسان: نحن في مثل هذه الحالات لا نفكر ، يتحدثون عن الغريزة ، طيب أنا لا أعرف ما إذا كان لون الأوراق المالية شيئًا له علاقة بالغريزة. وهكذا تتحول القصة إلى قصة طفل وصراعه مع عائلته بسبب امتلاكه لخمس ليرات في زمن الاشتباك ، ويتحول الشجار إلى معركة شخصية نرى من خلالها مأساة حقيقية.

وفي قصة أخرى بعنوان (البومة في غرفة بعيدة) ، يتحدث غسان عن الخوف كقيمة إنسانية. فالبومة التي يراها كصورة في إحدى المجلات تذكره ببومة رآها في أيام الطفولة في قريته في فلسطين ، فعندما كان طفلًا ، طلب منه الشيخ أن يخبئ البنادق تحت شجرة الطين ، عندما احتل اليهود القرية ، وهناك شعر بالخوف الشديد ولكنه قرر أن يتابع السير وعندما وصل إلى الشجرة ، رأى تلك البومة الشجاعة والخائفة واقفة فوق الشجرة بالرغم من القصف. إنه جمال الخوف في ساعة القصف والحرب ، فتلك المعالم لا تغيب عن عوالم غسان المشحونة بالرقة والهشاشة. البومة التي تشبه القلب ، يقول غسان والقلب الذي ينبض ويخاف ويتردد ويشعر ، هو قلب قضيته كمناضل وإنسان.

وأما قصة (العطش) ، فهي لوحة متكاملة ، وقصيدة عن الإنسان المقيد بالجدران ، والذي يقول عنه غسان أنه حين يضحك فلسانه الخشن يجري فوق الجدار ، إنه يقلب الراديو بحثًا عن مقطوعة تناسب وحدته لكنه يفاجئنا أنه لا يريد أن يواجه نفسه ويعترف بأنه فشل ، ثم في النهاية يفاجئنا غسان أن هذا الإنسان عطش جدًا ، ويحتاج أن يقول جملة واحدة عن عطشه: أمس انقطع الماء عن منزلي.

ولا ننسى بطل قصة غسان (موت سرير رقم 12) محمد علي أكبر ، الذي رفض أن يكون اسمه محمد علي ، لأن هناك قصة كبيرة وراء الاسم وكيف تحول اسمه إلى سرير رقم 12 عند الموت ، كان غسان عندها مسكونًا بهاجس تحويلنا إلى أرقام واختزال أسمائنا وموتها. وهناك الكثير من الأشخاص والأبطال الذين ينتظروننا كي نعيد قراءتهم لنرى كم تحتوي قصصهم على قضايا تشبهنا ، وعلى أسئلة الوجود الإنساني العظيم.