Menu
Menu

في تقارير ومقالات

رأي الهدف.. غسان كنفاني: المُراجعة والنقد وسؤال المستقبل

غزة _ بوابة الهدف

في شهر مارس/آذار من العام 1968، أي بعد هزيمة حزيران/يونيو بتسعة أشهر وتحت وقع تأثيرها، عقدت في بيروت ندوة بعنوان: أفكار عن التغيير و"اللغة العمياء"،  كان أحد المشاركين الرئيسيين فيها الأديب المناضل غسان كنفاني، الذي قدم مداخلة ثرية نشرت في عام 1988 على صفحات مجلة الهدف.. بمراجعة "الوثيقة" المقدمة من قبله في هذه الندوة، ترى جرعة النقد الكبيرة التي تمتع بها غسان، بالتزامن مع الهزيمة وانطلاق الثورة وتصاعد الفعل الكفاحي الفلسطيني، الذي جعله متوازنًا في نقده، يرى بحسه النقدي العالي والموضوعي، السلبيات والايجابيات، النواقص والمحفزات، نقاط الضعف ونقاط القوة، المعيقات والفرص.. وذلك كونه كان مشغولًا بالأساس بسؤال المستقبل، وبذر أشرعة الأمل باتجاهه. وعليه ارتأينا أن يكون رأي الهدف اليوم، بعنوان: غسان كنفاني: المراجعة والنقد وسؤال المستقبل. ووجدنا أفضل ما يُجيب على ذلك هو ما قدمه غسان في تلك الندوة المذكورة، حيث نورد منها مقتطفات تُلامس واقعنا اليوم، ولا تُغني بالمُطلق، عن ضرورة العودة إلى نص المداخلة كاملة. 

يقول غسان في تناول مسألة الهزيمة ونقدها: "إن فترات الهزائم في تاريخ الشعوب تشهد نموًا سريعًا في الحس النقدي الذي يتطور في أحيان كثيرة نحو تيار من النقمة والغضب، ومما لا شك فيه أن ذلك الحس النقدي حتى لو اتخذ صورة النقمة والغضب، يظل ذا طاقة بناءة لا غنى عنها.

إن قدرة الإنسان على تجاوز السقوط هي ذات قدرته على المواجهة، وطاقته على تصحيح الخطأ هي ذاتها طاقته على اكتشافه. ولذلك فإن فترات الهزائم عند الشعوب تتخذ طابع المراجعة الصارمة والقاسية في نوع صمتي من عقاب الذات غايته الأساسية التزود بقدرة إضافية على الدفاع عن النفس.

إن تيقظ الحس النقدي في فترات الهزائم يشبه تيقظ حواس الإنسان دفعة واحدة لحظة تعرضه للخطر، فهي تضاعف طاقتها على الالتقاط لتضاعف بالتالي قدرتها على المواجهة. وذلك كله، بلا ريب يشكل ظاهرة بناءة لا بد منها، ولا غنى عنها طالما أن الحافز هو في جوهرة الرد على الخطر، والتخلص من الهزيمة.

ولكن فترات الهزائم لا تشهد فقط هذا التيقظ في حس النقد والمراجعة، بل تشهد أيضًا ظاهرة أخرى شديدة الارتباط بذلك التيقظ، وهي تجاوز الحس النقدي لحدوده، وتحوله إلى نوع من التنصل عن طريق المُبالغة في عقاب الذات.

وهذه الظاهرة هي التي تشكّل الوجه الأخطر في فترات الهزائم، وطالما إننا استعملنا مثال الإنسان الذي يواجه الخطر فتتضاعف قدرات حواسه على الالتقاط والمواجهة، لوصف تيقظ الحس النقدي وتجاوزه لحدوده. يمكن أن يُلخص في إنسان مماثل أفقده الخطر المحدق به شجاعة تيقظ الحس، فأضاف إلى الخطر الذي يواجهه أشباحًا من الأوهام، وأفقد نفسه التقييم الحقيقي لقدراته، وبالتالي تصويب هذه القدرات".

ويضيف غسان: "في الفترات الدقيقة تكتسب مهمة الباحث دورًا أعمق مما كان لها في أي وقت مضى، فهي مطالبة بالتزويد بشجاعة مضاعفة من جهة للقدرة على النقد، ومن جهة أخرى للتمسك بما لا ينبغي أن يدمر. والفارق بين هذين الجانبين من المهمة فارق دقيق للغاية، ويكفي أن يخطو الباحث خطوة إضافية إلى جانب النقد ليسقط في فوضى التقييم، أو خطوة إضافية إلى جانب التمسك بالمعطيات التقليدية ليسقط في جمود الاستسلام لما أضحى غير مقبول. على أن خطورة فترة الهزيمة من حيث أنها تحمل في مناخها في آن واحد؛ بذور البناء، وبذور الدمار، لذلك تستلزم إدراكًا حقيقيًا لما يستحق أن ينبذ، ولما يستحق أن يدافع عنه، فليس أسهل من الولاء المطلق إلا الرفض المطلق".

وعن الفوارق بين الأجيال والتطور المتسارع يقول غسان: "لقد شهد جيلنا نحن على سبيل المثال تطورًا مذهلًا، قد يكون اقترابنا الشديد منه قد أفقده، في نظرنا قيمته الكبرى. إن الفروق الجذرية التي تفصلنا عن آبائنا ليس لها مثيل قط، ومن النادر أن شهد التاريخ مثل هذا البون الشاسع بين الأجيال المتقاربة، بل أن تلك الفروق نستشعرها إزاء إخواننا؛ فالعجلة تجري بأسرع مما يمكننا الاستيعاب.

إن هذه الحقيقة مهمة فقط من حيث كونها تلغي نظرية عدم الجدارة، وضعف قابلية العرب للتطور، وهي نظرية لا يبنى عليها جزءًا أساسيًا من دعوى تبرير غزونا فحسب، ولكنها باتت تستخدم كمنطلق نظري لدى بعض كتابنا تحت ستار النقد.

إن المسافات بين أجيالنا الراهنة لم يعد ممكنًا بعد قياسها بالسنوات، والتطور بات أسرع من أن توضع له حدود، ومن هنا تنبع واحدة من أهم مشاكلنا المعاصرة، وهذه الحقيقة على بساطتها تتناقض تناقضًا جوهريًا مع قاعدة اجتماعية موجودة في حياتنا، وليس بالوسع التخلص منها بسهولة، وهي القاعدة التي سأطلق عليها مبدئيًا اسم قاعدة الأبوة.

إن ما أسميناه بـ قاعدة الأبوة، تعكس نفسها إلى أبعد من الإطار العائلي، ومع ذلك فقد يبدو الإطار العائلي أفضل مثال عنها، ولكن ليس أهمها، إنها تعكس نفسها كقاعدة على حياتنا الاجتماعية والسياسية أيضًا، فهي تؤخر في اندفاع الطاقة الشابة إلى القيادة، في وقت تتميز فيه حركة المجتمع بالسرعة، وتستلزم بالتالي التصاعد معها لا تكبيلها.

لقد أدت هذه الحقيقة إلى سلسلة من النتائج قد يكون أبرزها هذا الاستسلام في قبول مبدأ أن يظل صاحب السلطة أطول فترة ممكنة على رأس السلطة، بدل أن يكون التبديل تجاوبًا مع ديناميكية التطور ودفع رجال العصر في تطورهم الدائب إلى القيادة على مختلف المستويات. إن ضعف القدرة على استيعاب العناصر الشابة تجعل صاحب السلطة في منصبة مدة طويلة، بما يشكل خلالها سدًا في وجه العناصر التي تتجاوب أكثر مع تطور العصر.

إن استيعاب التطور يحتاج إلى قدرة غير عادية على التجاوب، وإلى طاقة هائلة على تبديل الإطارات التقليدية لمسايرته والارتقاء معه".

وعن الكلمات التي فقدت معانيها تحت وقع وتأثيرات الهزيمة، وعن الخوف من التغيير، يقول غسان: "يبدو إننا في حاجة ماسة إلى إعادة القيمة للكلمات كتعاريف محددة تعني شيئًا متفقًا عليه. إن الاختفاء وراء غموض الكلمات.. هو سلاح أساسي للذي يشعر بعجزه عن تحقيق هدفه، أو الذي لا هدف على التحديد لديه.

فاللغة العمياء قد تكون في نهاية التحليل مبعث اطمئنان لأولئك الذين يخشون التغيير، فهي ستار من ضباب أمام الحركة التي تخيفهم حقًا".

ويذكرنا غسان بالعدو الذي نواجهه، قائلًا: "إننا نواجه عدوًا نقل معه من الغرب خلاصة التكنولوجيا والتطور العلمي، وأبدى قابلية كبيرة لاستيعاب العناصر الشابة في مراتبه القيادية، مستخدمًا في ذلك ليس فقط شكلًا من أشكال الديمقراطية الملائمة تمامًا لمستلزماته ومهماته وسرعة عملية التبديل والتطور الجارية فيه، ولكن أيضًا اتصاله العضوي والطبيعي بحركة تطور العصر".

وعن المستقبل المشغول بالإستراتيجية والديمقراطية والحزب ودوره الحيوي، يقول غسان: الديمقراطية.. سواء أسميناها الديمقراطية الثورية أو الديمقراطية التقليدية، فقد ظلت طوافًا على جلد المجتمع، وعاجزة عن أن تكون دورته الدموية الصحيحة... في حين أن غياب إستراتيجية العمل بالنسبة للعرب، يلغي القدرة على تصويب الجهد الفكري والسياسي والاجتماعي والتكنولوجي.

إننا مطالبون بالبحث عن الديمقراطية ليس في مظهرها البرلماني، بل في مظهرها الاجتماعي، وفي مظهرها الثقافي. ومن المسلم به أن الحزب بالذات هو تكثيف للتجربة الديمقراطية، ولذلك فإن قدرة أي حزب وطاقته وجدارته تقاس بحركة الدورة الدموية في جسده.

إن التكوين الحزبي تجربة لا غنى عنها، ففيها يتعلم المواطن الوسيلة الأجدى للعب دوره في المسؤولية العامة، ولا يكتسب داخلها ثقافته السياسية وتصوره للعمل السياسي، ولكن أيضًا ما يمكن تسميته بالأخلاق الديمقراطية.

لقد عجزت أحزابنا عن تحقيق هذه المهمة الديمقراطية، ولم تستطع أن تبلور من خلال إطاراتها الطليعة السياسية التي تستطيع أن تلعب الدور القيادي في المجتمع، وبالتأثير به والتأثر منه في آن واحد. في ظروف من طراز تلك التي يعيش فيها مجتمعنا، يشكل غياب الأحزاب الفاعلة التي تمثل قوى حقيقية، خطأً مهلكًا وقصورًا فظيعًا، تترتب عليه نتائج خطيرة على مختلف المستويات".

لكن يختم غسان مداخلته بتفاؤل الثوريين قائلًا: "الجسد العربي الذي تلقى الجرح يتحرك.. يواجه.. يقاوم.. يضاعف طاقة حواسه.. يقف على قدميه الصلبتين.. يعبر جسر العذاب".