Menu
Menu

في قالوا عنه

حاتم استانبولي يكتب: لكلّ هذا اغتيلَ غسان كنفاني (الفكرة الجامعة)

غزة _ بوابة الهدف

غسان كنفاني فكرةُ تدحرجت وتحولت إلى أفكارٍ تناثرت في عدة مواقع فأنتجت غسان الإنسان المدرّس الفنان المفكر الناقد الثائر الأديب الإعلامي القائد السياسي.

غسان الإنسان

ادرك معانيها عندما رسم صورة الموزة على لوحة الصف وسأل تلاميذه عنها، فلم يستطيع أيّ منهم الإجابة عن ماهية الصورة، من خلال الصمت الذي ساد المكان أدرك غسان أن سؤاله لم يكن في مكانه، كيف يسال أطفال المخيم عن موزةٍ، حاول أن يجمع شتاته الذي تناثر، ولكنّ قطر اتٍ ماء مقطّر أبت إلّا أن تقاوم، وتعبّر عن إنسانيّة المعلم، في حين لم يدرك التلاميذ ماذا يجري. إنها مجرد صورة رسمها المعلم على السبّورة التي قام بمسحها، وبكلماتٍ تحمل حزنًا عميقًا قال لهم: هذه صورة موزة.

غسان المدرّس

الذي عمل في الكويت ، وكتب بعضًا من رواياته فيها، ولكنه أدرك أن المكان غير ملائمٍ، ورغم أهمية ونبل وظيفة التدريس، لكنها لن تمكنه من العطاء الشامل، لذا عاد إلى دمشق وبيروت، وبدأ رحلته كإعلامي وسياسي، وبينهما كان يصدر أعماله الأدبية والنقدية، ويكتب في الصحف البيروتية بعدّة أسماءٍ اشهرها "فارس فارس"، وكان يدرك أن تاريخ أي شعبٍ موجودٌ عبر التاريخ الذي يؤكّد وجوده عبر الأدب، والذي يوثق حياة فئاته الاجتماعية، فسأل الصهاينة أين أدبكم؟ وأصدر دراسةً بعنوان نقد الأدب الصهيوني! التي كان لها دورٌ كبيرٌ في كشف ادّعاءاتهم.

غسان السياسي

كان حريصًا على التدقيق في محطات الشعب الفلسطيني، وخاصةً ثوراته، فكان له بحث عميق يناقش فيه خلفيات ثورة 36-39، التي حلّل فيها بعمقٍ دور القوى الاجتماعية في الثورة، وحرص على أن يؤرّخ الأسباب التي أدّت إلى فشلها.

غسان كسياسي لم يكن يومًا مساومًا على فكرته، بل كان جريئًا لم يحاول أن يجد مخارجَ لعدوِّ شعبه، بل كان همه إيجاد مخارجَ لعودة شعبه.

غسان القائد

غسان واعٍ لفكرة العودة، ومدركٌ لطبيعة العدو وكيفية مواجهته، وأهمية اتخاذ الموقف الذي تتطلبه اللحظة التاريحية. غسان القائد كان يصنع الحدث السياسي والإعلامي، ويوظفه في خدمة القضية الوطنية، غسان كان قائدًا مختلفًا عن من عايشه؛ كانت فكرته متقدمة دائمًا بخطوة عن عدوه، كانت فكرته ملهمة لمن حوله ومن عملوا معه؛ كان يفتح لهم آفاقًا ويجبرهم على إخراج مواهبهم النضالية.

لم يربط النضال الحزبي أو المعرفي بسقف معرفته، بل كان يطوع المعرفة بأشكالها السياسية والفكرية والإعلامية والنضالية في خدمة تطور الجبهة وعملها وتطورها. بفقدان غسان فقدت الجبهة عمودًا أساسيًا من أعمدة تحولها، ما انعكس لاحقًا على تطورها الداخلي.

غسان كان قائدًا لم يُتِح له الاحتلال ليأخذ موقعه الحقيقي في النضال الوطني التحرري، وباغتياله كان يعلم أنه اغتال أهم أعمدة التحرر الوطني الفلسطيني.

غسان المفكّر

المدقق في رواياته، يلاحظ كيف استخدم الكلمات والتعابير ووظفها بحرفية تعطي دلالات عميقة أدبية وسياسية، بمخارج فلسفية، عندما حاور ابنه في عائد إلى حيفا؛ حاوره كأبٍ، وحاوره كعدوٍ في ذات اللحظة، وكيف تعامل مع مريام والدة دوف ومع صفيّة أم خلدون، وانتقل من الفلسفي إلى السياسي عندما حسم موقفه بأن العودة إلى البيت تحتاج إلى حربٍ؛ هذه العبارة التي تحمل نقدًا عميقًا لحرب الـ67، التي كانت سببًا في إمكانية عودته إلى حيفا، فقال أثناء مروره من بوابة "المندل بوم"، إنه لم يكن على البوابة أن تفتح من الجهة الأخرى، في وصفٍ عميق للهزيمة.

وقدّم غسان وبشكل رائع صورة الإنسان الفلسطيني المقاوم في وصف عودة فارس اللبدي إلى يافا، ليجد أن بيته محفوظ، وصورة أخيه الشهيد ما زالت في مكانها، في اختصارٍ لمفهوم الحرب. إذ أورد غسان شرط الحرب هو الانتصار من أجل العودة، في إشارة مبكرة لمفهومه لتغيير ميزان القوى.

غسان الثائر

الذي أصبح عضوًا في المكتب السياسي للجبهة الشعبية، وكان رفيقًا مميزًا وفاعلًا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، وخلال اجتماعات المكتب السياسي رسم العديد من لوحاته المتعددة للحصان والفرس بألوانِ علم فلسطين.

غسان الإعلامي

كان تأسيسه لمجلة الهدف يحمل معانٍ عميقة، إذ كان يريدها أن تكون منبرًا إعلاميًا لكل المثقفين الفلسطينيين والعرب، بكل انتماءاتهم وألوانهم، ليعبّروا عن مواقفهم بدون رقيب أو حسيب، وينقلوا صورة الحقيقة التي كانت شعارًا للمجلّة، وأصر على أن يكون الشعار على رأس الصفحة، في كل نشرة، وهو "الحقيقة كل الحقيقة للجماهير"، بهذا الشعار حدّد غسان مفهومه للحقيقة، ولمن يجب أن تقال، ليكون بذلك حدّد معيارها وناظمها

غسان الأديب

الذي كان رائدًا في القصة القصيرة. نسج أعماله الأدبية بصورة محكمة وعميقة، وبمهارة فائقة، كان يرسم لوحاته الأدبية بريشة فنان وفيلسوف وسياسي ويخرجها بصورة نقدية، يفكك المفاهيم ويعيد بناءها بصورة بسيطة ومفهومة تحمل بعدًا فلسفيًا عميقًا، كقوله "خيمة عن خيمة تفرق"، هذه العبارة التي كانت تعبر عن دور الخيمة وكيف يجب أن تتحول من خيمةِ لجوء إلى خيمة مقاومة، وبهذا يكون غسان أعطى مفهومًا جديدًا لخيمة اللجوء والعودة، وكان من أوائل من عرف وكتب عن أدب المقاومة في فلسطين 48، وقدم كتابها وشعراءها كمقاومين للاحتلال الإحلالي المستعمر.

من أجل كل هذا أخذت غولدا مائير التي وصفت غسان بأنه "جيش بأكمله" يحارب فكرتها الصهيونية ودولتها، وأن المعركة مع غسان خاسرة بما يحمله من تعددٍ وتنوع في خيارات مواجهته لكيانها، لهذا جمعت لجنتها الأمنية واتخذت قرار اغتياله، كي لا تتحول أفكاره لناظمٍ ومعيار لقضيتنا، لأن استمراره يعني سقوط كل الشوائب التي لصقت في ثنايا الثورة.

غسان كنفاني الفكرة الجامعة المتعددة، التي تناثرت أجزاؤها في 8 تموز 1972، وتحولت إلى مصابيحَ لطالبي العودة واختيار الجهة الصحيحة لفتح البوابات، هذه البوابات التي لن تفتح إلا عبر حرب تحريرٍ ذات طابعٍ شعبيٍّ، متعددة الجبهات الثقافية والسياسية والاقتصادية والإعلامية والكفاحية العسكرية، شرطها الانتصار. وإحياء ذكرى غسان هي مناسبة لإحياء فكرته المتعددة الجامعة، بما تحمل من نقدٍ فلسفي عميق لقضية شعب جبار لا يمل.

غسان وأدبه ومقالاته ودراساته يجب أن يعاد لها الدور الرئيسي في إعادة بناء الفكرة الفلسطينية التحررية الجامعة.

لكل هذا اغتيل غسان كنفاني!