Menu
Menu

في أعمال ومؤلفات

عدوان سعودي مسلح على جنوب اليمن - مقال عام 1970

فلسطين اليوم

كُتب هذا المقال من بقلم الشهيد غسان كنفاني، في يوم السبت، الموافق 9 أيار 1970، ونعيد نشره للقراء هنا، ضمن سلسلة مقالات قديمة للشهيد نعمل على توثيقها في قسمٍ واحد من خلال موقعنا:

في الوقت الذي تتركز فيه الأبصار على منطقة الشرق الأوسط، وبصورة محددة على الصدامات المسلحة القائمة في المنطقة، تمضي الأحداث لتتخذ أشكالاً متزايدة الحسم والخطورة في المناطق التي يمكن أن نسميها "الخطوط الخلفية " لميدان القتال المشتعل أمامنا .

فإلى جانب التوطيد المتزايد لمحور " طهران – الرياض " الذي يشكل بدوره حلقة في محور " طهران – أديس أبابا – أثينا " تمضي القوى الامبريالية والرجعية متحالفة في محاولة دائبة لإنشاء حزام يطوق ميدان المعركة، ويعمل على إجهاضها.

وفي هذا النطاق بالذات، فإنه من اللافت للنظر ملاحظة :

المحاولات المستمرة لتفريغ ثورة اليمن الشمالية، وإنشاء ركيزة "ملكية تحت شعارات جمهورية" (كما يتردد في الرياض وجدة) .

وستعود "الهدف" إلى هذا الموضوع في عدد لاحق .

المحاولات الإيرانية السعودية المشتركة (التي أرست قواعدها أثناء محادثات عقدها شاه إيران مع الأمير فهد بن سلطان في واشنطن في أواخر العام الماضي) لاقتسام الخليج وتوزعه حفاظاً على مصالح الإمبريالية وعلى فتات المنهوبات التي تتقاسمها الأنظمة العشائرية الإقطاعية الحاكمة .

التآمر المتواصل على جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية للقضاء على الثورة فيها، وتتزايد شراسة هذا التآمر لاعتبارات عديدة :

إدراك الرجعية السعودية لخطورة المثال الذي يقدمه النظام الثوري في جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية.

أهمية الدور الذي تلعبه ج.ي.ش في دعم ثورة ظفار،التي تقودها الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل .

تصاعد الدور الذي يلعبه النظام والتنظيم الثوريين في اليمن الجنوبية في دعم وتأييد العناصر والتنظيمات الثورية في مجموع مناطق الخليج.

الموقع الاستراتيجي الفعال للجمهورية الفتية،كقاعدة قادرة على دعم الثورة في أريتريا، ومد جبهة التحرير الأريترية بوسائل تساعدها على تصعيد نضالها المسلح ضد الاستعمار الأثيوبي .

والأهم من ذلك كله هو المستقبل الذي يمكن تصوره للدور الذي يستطيع نظام ثوري متقدم وقوي في جنوب اليمن أن يلعبه في نطاق دعم التيارات الثورية داخل الجزيرة العربية ذاتها.


خارطة العدوان من البداية

على ضوء هذه الخارطة شنت الرجعية السعودية عدوانها المسلح على منطقة الوديعة في تشرين الماضي.

وعلى ضوء هذه الخارطة تواصل الرجعية السعودية اتصالاتها بالرجعية الإيرانية في محاولات مستمرة لتطويق اليمن الجنوبية تمهيداً للعمل على تصفية وجود الثورة فيها.

وعلى ضوء هذه الخارطة تحاول السعودية عملياً منذ مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية الذي انعقد في جدة مؤخراً تفريغ ثورة اليمن الشمالية من جميع ما تبقى من محتوياتها التقدمية، واستخدامها بالتالي رأس جسر للقفز على ثورة اليمن الجنوبية.

وعلى ضوء هذه الخارطة تقوم السعودية بالتهديد وبالرشوة وبكل الوسائل التي تستطيعها بفرض طوق من الحصار الإعلامي على مجموع منطقة جنوب الجزيرة، وبالأخص اليمن الجنوبية يتيح لها فيما بعد تنفيذ مخططاتها وسط جو من الصمت والتجاهل.

وعلى ضوء هذه الخارطة تعد السعودية الأن العدة لشن حلقة جديدة، وأخطر شأناً في سلسلة اعتداءاتها على اليمن الجنوبية ومحاولاتها السيطرة لحساب الإمبريالية على مجموع الجزيرة العربية.

فما الذي يحدث الآن على وجه التحديد؟

حقائق مجهولة عن العدوان

إن"الهدف" هي عملياً في وضع تستطيع فيه أن تؤكد مايلي:

في الأسبوع الماضي حاولت طائرات من سلاح الجو السعودي قصف مواقع داخل اليمن الجنوبية وكان من نتيجة الصدام القصير الذي نشأ عن هذه المحاولة إسقاط طائرة سعودية من طراز "سكاي هوك" ما زال حطامها داخل الأراضي اليمنية الجنوبية.

طوال الشهرين الماضيين قامت السلطات العسكرية السعودية ببناء طرق مواصلات ومستودعات ذخيرة وحفر آبار للمياه على طول المنطقة القريبة من"الوديعة" وتصل تقديرات المطلعين لعدد أفراد القوة التي حشدتها السعودية حتى الآن إلى 10 آلاف جندي.

من الواضح أن القوات السعودية في تلك المناطق التي تمر الآن في مرحلة تعبئة وحشد،ويبدو من طبيعة الحشود ومن أمكنة تركيزها، أن السلاح المرتقب سيعتمد بالدرجة الأولى على سلاح الطيران فيما ستتجه قوات سعودية محمولة لاحتلال المناطق الصحراوية على طول مراكز عبر زمخ، منوخ.

إن الخطة السعودية، كما يمكن استنتاجها ترمي إلى تحقيق هذا الاحتلال تمهيداً لتسليم هذه المراكز والمناطق لما يسمى بـ"جيش الوحدة الوطنية" . و"جيش الوحدة الوطنية" المذكور شكلته السعودية مؤخراً للعب هذا الدور بالذات وهو مكون من فلول المرتزقة وقوى السلاطين المطرودين وعناصر موالية لـ "رابطة أبناء الجنوب العربي" الرجعية، والمتمركزة في السعودية .

وتنسحب القوات السعودية أثر ذلك الاحتلال بعد تسليم المناطق المحتلة لما يسمى بـ"جيش الوحدة الوطنية" على أن يؤمن سلاح الجو السعودي – بطياريه الإيرانيين- التغطية الجوية المستمرة للقوات الرجعية هذه ضد أي تحرك عسكري أو شعبي مسلح تقوم به جماهير جنوب اليمن.

وتدل معلومات موثوقة على أن وزير الدفاع السعودي سلطان بن عبد العزيز ومستشار الملك فيصل كمال أدهم، هما اللذان يشرفان على تنفيذ هذا المخطط الذي يمكن أن يبدأ تنفيذه في أية لحظة  .

مخططات أميركا وأدواتها:

إن هذه الخطوط العريضة للمؤامرة تتسق تماماً مع استراتيجية الولايات المتحدة التي ترمي إلى فرض "حل" على مجموع منطقة الشرق الأوسط وليس في مجال القضية الفلسطينية وحدها .

و"الحل الأميركي المذكور الذي تدخل فيه إيران على قدم المساواة مع السعودية والحبشة، يولي اهتماماً متزايداً للأوضاع في جنوب الجزيرة العربية خصوصاً في أعقاب الانسحاب البريطاني من هناك، ولكن أيضاً في تأمين استمرار تدفق الثروات النفطية العربية إلى شرايين الآلة الاحتكارية الأميركية.

وإذا كان النظام الرجعي في السعودية والنظام الامبراطوري في إيران يلعبان دوراً أساسياً كأداة للإمبريالية الأميركية في تحقيق مخططاتها وأهدافها، فإن النظام الثوري في جنوب اليمن ، كخلية ناشطة آخذة في لعب دور مهم كنموذج ومثال وحافز يشكل في المقابل الخندق الأول الذي يتعين على الإمبريالية المتواطئة مع الرجعية العمل على تصفيته والقضاء عليه.

ومن هنا تصوب الرجعية التي تشعر أن الأرض تهتز تحت أقدام نفوذها، مؤامراتها ضد اليمن الجنوبية ، على اعتبار أن تصفية النظام الثوري في اليمن الجنوبية يزيد في الانتعاش الذي تشعره الرجعية منذ هزيمة 5 حزيران ويفسح لها المجال الأوسع لتحقيق مخططاتها في المنطقة التي تعتقد أنها مجالها الحيوي الموقوف لنشاطها وحدها ولسيطرتها ونفوذها، خدمة لأسيادها الإمبرياليين.

إن اللجوء في التآمر إلى درجة العدوان المسلح متوقع ، كما رأينا، في أية لحظة، والواقع أن الإمبريالية وعملائها في المنطقة يشعرون بأن الوقت الآن مناسب "لتصفية الحسابات" أكثر من أي وقت آخر، وهم عازمون كما يبدو على القيام بحركات هجومية على مواقع القوى التقدمية والوطنية استكمالاً للمخطط الجاري تنفيذه في المنطقة قبل أن تضيع الفرصة إلى الأبد.

إن قوى الثورة العربية وفصائلها، أمام مثل هذا الخطر المحاط بصمت، والذي سيظل غارقاً في صمت متزايد ما لم تتقدم القوى التقدمية والوطنية لتمزيق ستار التكتم المشبوه، مطالبة أن تعي مسؤولياتها التاريخية، وأن ترتفع إلى مستوى هذه المسؤولية والتصدي لهذا المخطط الجديد، واقفة إلى جانب الثورة في جنوب اليمن لدعمها ومساندتها في وجه المؤامرة.