Menu
Menu

في أعمال ومؤلفات

أمن الثورة في خطر - مقال عام 1970

نُشر هذا المقال للشهيد غسان كنفاني، يوم السبت، الموافق 4 تموز 1970 في العدد 49، ونعيد نشره هنا:

شهدت تنظيمات المقاومة المختلفة وفصائلها، في الشهرين الأخيرين على وجه الخصوص، سيلاً متصل الحلقات من"الباحثين" الذين استخدموا في أحيان صفة "الصحافيين" وفي أحيان أخرى صفة "الدارسين الجامعيين" لإجراء تحقيقات وبحوث حول المقاومة، أساليبها وأشخاصها وقياداتها الراهنة وقياداتها المحتملة وأسلوب تفكيرها، إلى آخر ما هنالك من قضايا حيوية .

وبالنسبة للذين قابلوا معظم هؤلاء فإنه كان من السهل اكتشاف "قاعدة" عمل واحدة تشدهم إلى بعضهم، لقد كانت أسئلتهم تختلف من أحدههم إلى الآخر، ولكنه من الواضح أنها تكمل بعضها، وإنها تنطلق تقريباً من خطة عمل واحدة.

إنه من الملاحظ، بريبة، مايلي:

أولاً : معظم هؤلاء "الباحثين" انطلقوا من أوروبا، ولكن لخدمة مؤسسات أميركية.

ثانياً: بينهم عدد لا يستهان به من "السيدات" .

ثالثاً: اهتمامهم لا يمس الشؤون الراهنة للمقاومة بقدر ما يركز على معرفة خلفيات الأعضاء القياديين في فصائل المقاومة ، والحوافز التي تحركهم .

رابعاً : يترافق هذا الاهتمام بتجميع أكبر عدد ممكن من الصور لهؤلاء الأعضاء، في أوضاع مختلفة .

الإعلام : مدخل الاستخبارات ؟

إن السؤال الأساسي الذي يتبادر إلى الذهن أمام موجة من هذا النوع إنما يتعلق بالغاية التي يستهدفها هذا الزحف.

إنه من الواضح إن المدخل شبه الوحيد المفتوح أمام مثل هذا النشاط الاستخباري هو حاجة المقاومة، بجيمع فصائلها،إلى الانتشار الإعلامي، سواء أكانت هذه الحاجة ناتجة عن واقع الاجتياح الإعلامي الصهيوني، أم عن التسابق الدعاوي بين فصائل المقاومة ذاتها.

إن هذه الحقيقة المزدوجة تشكل المدخل الطبيعي للنشاط الاستخباري المضاد، الذي يصل حالياً إلى ذروة حيويته، والذي يستدعي حذراً مضاعفاً من قبل مجموع فصائل حركة المقاومة.

و"الهدف" تكشف فيما يلي هذا النشاط الاستخباري، والقنوات التي يصب فيها، وأسلوب العمل الذي يتبعه.

مشاريع المخابرات الأميركية:

مؤخراً، بدأت أجهزة الاستخبارات الأميركية الملحقة بوزارة الدفاع العمل على ثلاثة مشاريع دراسية دفعة واحدة، اثنان من هذه المشاريع الثلاثة يتعلق مباشرة وكلياً بموضوع المقاومة الفلسطينية .

إن وزارة الدفاع الأميركية التي تصر إصراراً على إبقاء هذا الموضوع قيد السرية لا تستطيع ضمان ذلك كلياً، لأن الأعداد الغفيرة لأولئك الذين يعملون في هذه المشاريع تجعل مسألة الكتمان مسألة غير ممكنة .

إن "الهدف" التي حصلت على معلومات ثمينة بهذا الشأن، تعتبرها وزارة الدفاع الأميركية (ربما حتى هذه اللحظة) سرية، يهمها أن تضع هذه المعلومات بين أيدي فصائل المقاومة خصوصاً والجماهير الفلسطينية عموماً.

إن المشاريع الأميركية الدراسية الثلاثة الناشطة الآن على قدم وساق، تستهدف على وجه التحديد:

"تطوير أساليب مكافحة وإجهاض الثورة الفلسطينية، من الناحية العسكرية والنفسية ومن ناحية بنيتها الداخلية، عن طريق :

حصر الشخصيات القيادية الفلسطينية الراهنة .
حصر الشخصات القيادية الفلسطينية المحتملة (الكوادر الوسيطة) .
معلومات تفصيلية عن تكوين هذه الشخصيات الاجتماعي والفكري، بيئتها، تاريخها، ثقافتها، ولاءاتها وعلاقاتها الطبقية، أمديتها الاجتماعي، ارتباطاتها الشخصية، مواقعها الأخلاقية..الخ.
تجميع معلومات عن البنى الداخلية للتنظيمات، علاقات الخلايا، اللجان المساندة (خصوصاً :اللجان المالية) وأساليب الاتصال، النقاط المفصلية في التنظيم، نقاط الضعف والقوة في العلاقات.
القيام بأوسع عملية مسح ممكنة لل"الشعب الفلسطيني" لاستكشاف ما يسمى "بالحوافز" التي تدفع المواطن الفلسطيني للالتحاق بالمقاومة، والحوافز والأسباب التي تدفعه لاختيار هذا التنظيم دون ذاك، والمحركات التي توصله باستمرار،إلى الولاء للمقاومة ولإحدى الفصائل المعبرة عنها ".


العقول الالكترونية ومحاولات الإجهاض:

ومن أجل تجميع أكبر كمية ممكنة من المعلومات بهذا الشأن، و"إطعامها" للأدمغة الالكترونية وتنشيط ذاكرة "الكمبيوتر" حول المقاومة الفلسطينية، والاستفادة بالتالي من تحليلاته، ومن استكشافاته، ومن توقعاته، تجند الولايات المتحدة من خلال وزارة الدفاع مؤسسات معينة للعمل في هذا الموضوع:

1. المشروع الأول اسمه مشروع سييرا وهو مشروع متخصص كلياً بدراسة المقاومة الفلسطينية، وتشرف عليه مؤسسة راند، التي تشكل في الحقيقة العقل البحّاث لوزارة الدفاع الأميركية، والمرتبطة مباشرة بالاستخبارات، وتعمل هذه المؤسسة في سانتا مونيكا (كاليفورنيا) .

وهدف المشروع المذكور، القائم كله على نشاط العقل الالكتروني (الكمبيوتر)،هو تجميع وإطعام هذا الكمبيوتر، كل المعلومات والتفاصيل الدقيقة، الذاتية والموضوعية، الشخصية والاجتماعية والبنيانية، الفكرية والسياسية، المتعلقة بحركة المقاومة الفلسطينية من خلال العمل الدؤوب على فترات مختلفة، بحيث تصبح "ذاكرة" الكمبيوتر غنية جداً، ويصبح بمقدورها، وبسرعة شديدة "رد المعلومات" على شكل احتمالات موقف المقاومة إزاء موقف معين.

الهدف من ذلك كله هو تطوير وبلورة نمط لتفكير وسلوك المقاومة، بحيث يصبح من السهل على "البنتاغون" معرفة ردود فعل القياديين في حركة المقاومة إزاء حالة معينة، ومواقفهم وقراراتهم وسرعة تعميمها ومدى انتشارها وحقيقة فعاليتها وطول نفسها..الخ.

وبديهي إن هذا الأسلوب يُتّبع الآن على نطاق واسع في أكثر من مكان، ولم يعد سراً أن عملية التصفية الجسدية التي تمت في أندونيسيا لأعضاء الحزب الشيوعي الأندونيسي، والتي "غطت" نصف مليون عضو، لم يكن من الممكن إتمامها على ذلك الشكل دون "مشورة الكمبيوتر" الذي – كان بمعرفة البنتاغون بالطبع- ينشط ذاكرته طوال سنوات من البحث، بانتظار الوصول إلى تلك اللحظة.

وربما كان السبب الأساسي لنشاط الاتصالات بالمقاومة، والذي تصاعد في هذه الفترة بالذات، هو العمل على تزويد "كمبيوتر" مؤسسة "راند"، بالمعلومات التي تدخل في نطاق مشروع "سييرا"، وإلا إنه من غير المفهوم حقاً أن ينشط "صحافيون" مزعومون، و"بحاثون" و"أساتذة" لإلقاء أسئلة على عناصر من المقاومة، في الصفوف القيادية، وفي الصفوف القيادية المحتملة، تتعلق بمعرفة "مشاعرهم" عام 1948، و"قراءاتهم" و "أجورهم العائلية" و "حوافزهم" و"هواياتهم" وإلى ما هنالك من قضايا ليست على علاقة مباشرة لأول وهلة بمسألة المقاومة.

مشروع سكوب: 

2. لمشروع الثاني هو "مشروع سكوب" وهو مشروع يعكف على إتمامه معهد "باتلي" في كولومبوس (أوهايو) بالولايات المتحدة، وهو مختص بنفس المسائل التي تقوم مؤسسة راند، من خلال المشروع السابق ذكره، ببحثه في كاليفورنيا، أي: استكشاف كل مدى الاحتمالات القائمة أمام الثورة الفلسطينية لمواجهتها، واستكشاف كل الحوافز المحركة لعناصرها ليجري تعميمها وإجهاضها.

وكما قلنا في السابق، فإن، محاولة من هذا النوع تستلزم تجميع كمية كبيرة (أفقياً وعمودياً) من المعلومات عن كل مسائل وأشخاص المقاومة، وهذا يعني تجنيد عدد كبير من العناصر التي تنشط في "الاستقصاء" .

إن مشروعين من طراز واحد، يهدفان إلى شيء واحد تشرف عليهما وزارة واحدة هي وزارة الدفاع الأميركية وتعطيهما إلى مؤسستين مختلفتين "راند" من جهة و"باتالي" من جهة أخرى، إنما يدل بوضوح على مبلغ اهتمام الولايات المتحدة بالموضوع، إذ أنها تلجأ إلى مثل هذا الأمر عادة (إعطاء موضوع واحد لمؤسستين في وقت واحد) حين يكون اهتمامها الشديد بالأمر يتطلب منها تصويب جهودها بأكثر ما يمكن من الدقة، ومطابقة نتائج الدراستين كي تكون احتمالات الخطأ في الحد الأدنى!.

مشروع أجايل:

المشروع الثالث هو مشروع "أجايل" وتشرف عليه مؤسسة "راند" أيضاً في سانتامونيكا في كاليفورنيا .
وهذا المشروع مهتم ومختص بإجراء دراسات (كمبيوتر) على حرب العصابات في بلدان العالم الثالث إجمالاً، مع تأكيد خاص على الشرق الأوسط، خصوصاً الساحة الفلسطينية وتطوير وسائل قمع معاكسة، ومناسبة لكل حالة من هذه الحالات.

وتستهدف دراسة من هذا النوع الإلمام بفعالية الأسلحة الأيديولوجية والأسلحة المعاكسة، وكذلك باحتمالات ردود الفعل العسكرية والردود المعاكسة، ورسم مخطط كامل "للتصور الافتراضي " في نشاط "العدو" واحتمالات خطواته السياسية والعسكرية والمالية، ومقرراته، حتى يكون من الممكن استباق نتائج هذه الخطوات وإحباطها.

دراسة الاحتمالات والافتراضات:

إنه من المعروف أن الأساس الذي يعتمد عليه أسلوب البحث الأميركي ويدخل في ذلك نشاط الاستخبارات بصورة خاصة، تناول المشكلة المعينة عن طريق تفتيتها إلى عدد هائل من الجزئيات، وإعطاء كل جزء ما يستحقه، بحيث يقوم الدماغ الالكتروني بإعادة تركيبها، وإجراء الاستنتاجات اللازمة.

ذلك يعني أن كل جزء، مهما كان صغره، من الصور الكبيرة هو جزء مهم للغاية. في هذه الحال يكون الحذر، من قبل موضوع البحث، في حده الأدنى.

بمعنى: إذا جاءت سيدة تسأل أحد رجال المقاومة أو أحد عناصر الكادرات أو القياديين، عن قصة انتسابه الشخصي لمنظمة من المنظمات، وذلك من خلال حديث ودور، قد يتصور الشخص المعني إن المسألة موضوع ذلك الحوار ليست مهمة، وهذا صحيح إذا كانت ستظل وحدها خلية عائمة في السديم، ولكنها عادة لا تبقى كذلك ، بل تدخل ببراعة في نسج من الخلايا، يكشف الحوافز والمحركات التي هي جوهر نمو تنظيم من التنظيمات، وتعمل بناء على خطط علمية لإجهاض وتمييع وتشويش تلك الحوافز والمحركات.

إن الاستخبارات الحديثة سلاح شديد التعقيد والفعالية ويجب أن يعالج بحكمة وموضوعية وعلم. إن أجهزة الرصد والأمن في تنظيمات المقاومة يجب أن تعطى أولوية خاصة، ولكن على أسس من البحث العلمي.

يعاني الأميركيون المعتدون كثيراً من سرعة مبادأة ومبادرة ومرونة رجال العصابات التابعين لحركة التحرر الوطني الفيتنامي. إن الأدمغة الكترونية التي يستخدمها الأميركيون لكشف احتمالات السلوك القادم لرجال العصابات الفيتناميين لا تنجح عادة، وذلك بسبب القدرة غير المحدودة لرجال جبهة التحرير الوطني الفيتنامي على تغيير أساليب علمهم ونشاطاتهم، وهي مسألة اعترف بها الأميركيون (بمرارة) أكثر من مرة.

ومع ذلك فإن النهج الاستخباري قد وفر الكثير من الخسائر على الأميركيين، وإذا كان صحيحاً إن هذا التوفير لن يخبر الأميركيين المعتدين مصيرهم المحتوم، إلا أنه قضية يجب أن توضع بالاعتبار.

فإذا تركنا التجربة الفيتنامية الثورية التي لا يمكن مقارنتها (من حيث بنيتها التنظيمية، وقوتها الذاتية، وتنظيمها السري، وندارة احتكاكها بالأجانب، واتساعها) بالمقاومة الفلسطينية الناشئة، الغضة، المكشوفة، المنفتحة على كل شيء وأمام أيّ كان، فإننا نضحى إذن أمام معضلة تستلزم البحث الجدي على جميع المستويات!

أسلوب العمل والأسئلة:

إن المنطقة (وهذا شيء يعرفه الجميع) باتت تعج فجأة بالباحثين والدارسين ومدعي العمل الصحفي و"الثوريين" المزيفين، الذين اجتذبتهم الثورة، وهم غير مهتمين بأيديولوجيات التنظيمات فحسب بل بشؤون أخرى غريبة نوعاً ما: بذاكرة رجال المقاومة عن 1948، بالشروط الاقتصادية والاجتماعية في المخيمات، بالعلاقات الطائفية في الدائرة الفلسطينية، بنسب أعمار رجال المقاومة، بالقيادات الوسيطة، بالتصورات السابقة لـ5 حزيران .. بل بالأعمال الأدبية والشعرية التي حركت المقاومة ورافقتها.

وقد تؤدي هذه الاهتمامات المفاجئة بنا، نحن الشعب المنسي الذي وضع على الرف الخارجي لضمير العالم عشرين سنة، إلى قليل من النشوة في صدورنا: فها هو العالم يكتشفنا ويسعى للتعرف إلينا من جديد، ولكن مثل هذه النشوة يجب أن تكون محسوبة.

إنه من الصحيح أن المقاومة الفلسطينية قد اجتذبت أنظار العالم إلينا، ولكن هذه المسألة يجب أن يجري تناولها بصورة موضوعية، ثمة فرق كبير بين أن نعرف كيف نستفيد من هذه الواقعة لمضاعفة فعالية الإعلام الثوري الفلسطيني، وبين أن نترك أصابع الاستخبارات تمر من تحت هذه الدعاوى إلى قلاعنا؟!

بالطبع : المقاومة بحاجة إلى إعلام، وستظل مرغمة لأسباب معقدة على الاحتكاك بممثلي الرأي العام العالمي لفترة طويلة، ولكن ذلك يجب أن يحدث وفق أسلوب علمي (من المعروف أن جبهة التحرير الوطني الفيتنامية تنتقي بنفسها الصحافيين العالميين الذين تدعوهم وتسمح لهم بالإطلاع على نشاطاتها ومحاورة رجالها).

إن عناصر كثيرة تستخدم وسائل مختلفة للعبور إلى داخل المقاومة، ولعل خزان المعلومات الذي لا ينضب، عند تلك العناصر، هو التعدد في صفوف المقاومة الفلسطينية، وسنلاحظ إن هذه العناصر تستخدم ذلك التعدد، لجلب المعلومات، إلى أقصى مدى .

كيفية مواجهة المحاولة ؟

الحل؟

إن هذا المقال يهدف إلى لفت نظر فصائل المقاومة جميعها، مبدئياً، لهذا الخطر الماثل الآن، في ظرف حرج وحساس، وهو (أي مقال) لا يدعي أنه بصدد وضع حلول.

إن صعوبة وضع حل ما ينشأ بالدرجة الأولى من أن الواقع الموضوعي المحيط بالقضية الفلسطينية يجعل من مسألة الأمن، أمن الثورة، مسألة أخطر هنا منها في أي مكان آخر: فالثورة لا تقاتل على أرضها، وقياداتها ليست هناك، والمناخ المحيط بها هو مناخ البلدان التي تتواجد فيها، وكذلك فإن طبيعة القضية الفلسطينية تجعل مسألة الاحتكاك بالرأي العام العالمي مسألة شديدة الإلحاح والضرورة.

على أن التصور الأولي لحل لا يسيء إلى حق الصحافة العربية والعالمية في المعرفة والحوار، وفي نفس الوقت لا يسيء إلى أمن الثورة الفلسطينية، يبدو في خطين لا غنى عنهما معاً:

الأول: أن تكون"أجهزة الأمن" في الثورة الفلسطينية في مختلف الفصائل على درجة متقدمة من العلمية والاختصاص والقدرة المستمرة على العمل المشترك، المخطط والمبرمج..

والثاني: أن تضمن كل صحيفة أجنبية، أو كل مؤسسة دراسية، المراسل الذي تبعث به، وأن تبذل جهداً حقيقياً لتطهير الجسد الصحفي العالمي من كثير من الأزوار التي لحقت به، وبالاستخدامات غير الشريفة لشرفه المهني، كأن تدين عنصراً معيناً يستخدم الاسم الصحفي لخدمة الاستخبارات، وتنبذه من المهنة.

ومهما يكن من أمر، فإن ما هو بالدرجة الأولى من الأهمية الآن هو أن أمن الثورة في خطر، وأن على الفصائل المقاومة الفلسطينية المختلفة أن تكون في مستوى مسؤولية مواجهة خطر من هذا النوع!.