Menu
Menu

في أعمال ومؤلفات

المقاومة ودروس العرقوب - مقال عام 1970

مع انطلاقة موقع بوابة الهدف الجديد، والذي تزامن مع الذكرى السادسة والأربعين لاغتيال المفكر والأديب المناضل غسان كنفاني، عكفت البوابة على نشر ما توفر لديها من أعماله السياسية والأدبية، وعليه تنشر هذه الدراسة التي أعدها كل من عدنان بدر وغسان كنفاني، بعنوان: المقاومة ودروس العرقوب، ونشرتها (مجلة الهدف) في عددها الصادر بتاريخ 23 آيار/مايو 1970، حيث ترى أنه لا يزال أهمية راهنة لما كتب بتلك الدراسة.

المقاومة ودروس العرقوب

السبت 23 ايار 1970 العدد 43

ما تزال معركة العرقوب تبحث في معظم الصحف ووسائل الإعلام العربية، من خلال ضجيج إعلامي يكون في معظم الأحيان ليس عديم الفائدة فحسب، بل ضاراً أيضاً. إن التجربة أخطر وأعمق من أن يمر بها المرء مروراً عابراً، ويخفي تفاصيلها تحت قنابل الدخان الإعلامي، وهي جزء أساسي وعالي الصوت من الاستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة ، ومدخلاً من مداخل خطط قادمة يترتب علينا أن نواجهها فيما بعد، على ضوء ذلك تنشر"الهدف" هذه الدراسة التي كتبها عدنان بدر بعد أن أمضى عدة أيام يتنقل في كل منطقة العرقوب وقواعدها وقراها، وغسان كنفاني عن التجربة.

لقد صار من البديهي التأكيد مجدداً على أنه دون أن تستطيع المقاومة الفلسطينية تحويل ميدان القتال ذاته إلى نوع متفوق ومتقدم من الأكاديميات العسكرية، تتلقى فيه الدروس الحربية وتخرج منه المقاتلين الأكفاء والكاردات القادرة وتستخدمه في وقت واحد كميدان قتال تحريري، وصف دروس عسكرية وتجارب حربية، ودروة مناورات بالذخيرة الحية.....دون أن تفعل ذلك كله، فإن خطر أن تظل تراوح في مكانها عسكرياً على الأقل يظل خطراً متزايداً.

وهذا الكلام يعني أن كل تجربة تخوضها المقاومة الفلسطينية على الصعيد العسكري أو على الصعيد السياسي، يجب أن توضع فوراً موضع التفحص والاختبار والنقد والنقد الذاتي، وإن ما قاله ناطق إسرائيلي عن العدوان الأخير على العرقوب، من أنه مجرد مناورات إسرائيلية للتدرب على القتال الجبلي، تنطبق في الحقيقة أكثر على الجانب الفدائي، الذي يجب أن ينظر إلى ذلك العدوان من خلال اعتباره تجربة واختبار تستخلص منهما دروس مهمة يجري توظيفها فيما بعد لمصلحة المعارك القادمة .

إنه من الواضح الآن أن الاسرائيليين بعد مرور 3 سنوات تقريباً على حرب حزيران، وبعد التصاعد النسبي في القوة العسكرية العربية، وبعد ثبوت عدم فعالية الدفاع الثابت الذي اعتمدته القوات الإسرائيلية مباشرة بعد توسعها في حزيران 1967 ..تكرست الآن من جديد القاعدة العسكرية الإسرائيلية التقليدية التي كانت معتمدة قبل 5 حزيران 1967 ، والتي تتمسك بإصرار على أن"حركة الأرض العربية مفتوحة أمام حركة الدفاع الديناميكي الإسرائيلية، فيما تشكل "الأرض الإسرائيلية" أرض حرام أمام السلاح العربي".

وهذا المنطق العسكري الإسرائيلي الذي كان أساس التحرك في السموع والصبحة وغزة وسيناء قبل 1967، هو نفسه الذي يحرك القوات الإسرائيلية الميكانيكية أوالمحمولة الآن، إلى غور الصافي أو شدوان أو العرقوب وهو ذاته الذي يحرك القوات الإسرائيلية الجوية نحو مدى العمق في سماء البلدان المحيطة بفلسطين المحتلة.

وبالرغم من أن هذه القاعدة العسكرية الإسرائيلية ليست جديدة، كما رأينا، في مخططات العدو إلا أن تزايد اعتمادها في الفترة الأخيرة، خصوصاً في غور الصافي وفي العرقوب، يدل على أن العدو يكرسها من جديد منهجاً للعمل.

وقد يكون ذلك ناتجاً بالدرجة الأولى عن حاجة اسرائيل إلى تصعيد عرضها لقدرتها على الردع في محاولة لوقف تصاعد النشاط العسكري ضدها،وهي كي تستطيع أن تنجح في ذلك فإن غارات سلاحها الجوي،المتغطرس في بتفوقه الساحق،لا يكفي،ولابد من خلق"طوق آمن" حول الأأراضي المحتلة،وهذا الدور يلعبه المشاة المحمولون على آليات عبر أسلوبين:

بالنسبة للجيوش العربية النظامية تستهدف هذه القوات المحمولة آلياً أو المنقولة جواً أبعاد تلك الجيوش عن مناطق الحدود،وإرغامها على اللجوء إلى الدفاع المستكن في أحسن الأحوال ،وشلها كلياً في أحوال أخرى.

وبالنسبة للمقاومة الفلسطينية المسلحة،الي لا يمكن إلجاؤها إلى الدفاع المستكن وشلها عن طريق تثبيتها أو تخويفها باحتلال الأرض وعروض القوة،فإن الأسلوب الذي تتبعه القوات الاسرائيلية في هذا المجال هو العمل على عزل رجال المقاومة عن الجماهير وخلق تناقض حياتي بينهما وإظهار المقاومة في مظهر الضعف وعدم القدرة على حماية الأرض،وهزها باستمرار عن طريق عدم تمكينها من"التخطيط استراتيجياً " وذلك بإغراقها في سلسلة انفعالية من التكتيكات...

العدوان الإسرائيلي وأهدافه:

على ضوء مثل هذا التصور  يصبح من غير المعقول القطع فوراً بأن إسرائيل فشلت في تحقيق أهدافها من العدوان، لأن الأهداف الإسرائيلية من مثل هذا العدوان، لا يمكن أن تكون نتائجها مرتبطة مباشرة بحركة القوات المادية، أو بعدد الشهداء الذين سقطوا أو المنازل التي هدمت ، ولكن نتائج العدوان هذا ترتبط بالذيول المتأتية عنه على مدى معين، ولابد من مقاومة العدوان على هذا المستوى.

فحتى لو فشلت القوات الإسرائيلية في قتل أي فدائي، وفشلت في السيطرة على أي عتاد ،وفشلت في تدمير أية قاعدة للفدائيين،فإن ذلك كله قد لا يكون مقياساً لنجاح أو فشل العدوان على مستوى استراتيجي إن استطاع العدوان تأليب الجماهير على المقاومة،أو تقليل وتصغير صلاتهما،أو تكبير حجم السلطة بحيث تستطيع(وسط الصخب الإ     علامي) بناء جدار بين الفدائيين وبين الحدود أو الإيقاع بين فصائل المقاومة وإشغالها بقضايا صغيرة حدثت(أو لم تحدث) قبل وأثناء وبعد العدوان.

بين العرقوب وغور الصافي:

إن فهم العدوان الإسرائيلي على منطقة العرقوب، سواء أكان العدوان الذي قام به لواء مدرع وآثار ضجة كبرى قبل أسبوع، أم العدوان الجوي الذي قام به سلاح الجو الإسرائيلي قبل ذلك بأيام قليلة ودمر خلاله أكثر من سبعين منزلاً في المنطقة ذاتها ومر وسط صمت مريب، أم العدوان القادم، لا يمكن استيعابه إلا من خلال اختبار الأسلوب الإسرائيلي والأهداف الإسرائيلية من مثل هذا العدوان.

ولاشك أن أقرب النماذج شكلاً وموضوعاً للعدوان الإسرائيلي الأخير على العرقوب، هو العدوان الذي شنه الإسرائيليون على غور الصافي في 25/3/1970 والذي احتلوا فيه المنطقة حتى يوم 8/4/1970.

وأوجه الشبه بين الحدثين يمكن تسجيلها كما يلي:

قبل قيام القوات الإسرائيلية بالعدوان الاحتلالي على غور الصافي تصاعدت العمليات الفدائية في تلك المنطقة تصاعداً كبيراً : "جددت فتح" قصف مصنع البوتاس هناك، وقامت قوة مشتركة من الجبهة الشعبية وجبهة التحرير العربية وجبهة النضال الشعبي يوم 21/3 بعملية جريئة تكبد فيه العدو خسائر فادحة.. وقد سبق العدوان على العرقوب تصاعد مماثل في نشاط الفدائيين إذ توغلت قوة من" فتح" مسافة كبيرة داخل الجليل ووصلت قرب عكا، حيث خاضت معركة كبيرة هناك، وشن رجال الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ورجال قوات التحرير الشعبية وجبهة التحرير العربية هجمات جرئية، كبدوا فيه العدو باعترافاته خسائر كبيرة.

أثناء الاحتلال الإسرائيلي لغور الصافي لم يتكبد الفدائيون خسائر كبيرة في الأرواح وكذلك الأمر نسبياً، عند احتلال الإسرائيليين لمنطقة العرقوب .

عند قيام العدو باحتلال غور الصافي تحدثت أجهزة الإعلام الرسمية وبعض الأجهزة الفدائية، عن بطولات لا مثيل لها قام بها الجيش الأردني والجيش السعودي، وقد حدث الشيء ذاته تقريباً عن احتلال العرقوب، إذ نشط الإعلام في امتداح الجيش اللبناني والجيش السوري في المعركة.

أثناء احتلال القوات الإسرائيلية لمنطقة غور الصافي، قام العدو بنسف عدد كبير من البيوت ، وتهديد المزارعين، وشق بعض الطرق التي تسهل عليه الوصول إلى أهدافه عندما يشاء في المستقبل، وقد فعل الشيء ذاته أثناء احتلاله للعرقوب.

عند انسحابه من غور الصافي ازداد الصخب الإعلامي عن دور "اللواء الهاشمي" في طرد القوات الإسرائيلية المحتلة، ويبدو أن ذلك الصخب كان ضرورياً ليس لستر هزيمة السلطة أمام المقاومة في مؤامراتها ، في 10 شباط، ولكن أيضاً لتسهيل المهمة اللاحقة، والتي اتضحت حين قامت القوات الأردنية بمنع الفدائيين من دخول منطقة غور الصافي، وبإعطاء إذن مرور خاصة لمزارعي تلك المنطقة واعتقال من له علاقة منهم بفصائل المقاومة ، وفرض منطقة شبه مجردة تشكل عملياً "حزام أمن" جنوب البحر الميت يكاد يكون متصلاً "بحزام الأمن" الذي أنشئ شمال منطقة إيلات.

ولا شك أن السلطة اللبنانية رغبت كلياً في استخدام الإعلام وسيلة لجعل "معارك العرقوب" تغطي المؤامرات الماضية (آذار1970) والمؤامرات اللاحقة، إلا أن العدوان على العرقوب (حتى الآن) فشل في تحقيق هذه الحلقة الأخيرة، التي تم مثلها في غور الصافي: بناء جدار أمن أمام خط وقف إطلاق النار الإسرائيلي لمنع الفدائيين من الوصول إلى أهداف حساسة عند العدو، ذلك البناء الذي جرى تحت ستار الدخان الإعلامي في غور الصافي (وشاركت فيه بعض المقاومة عن حسن نية) وكان من المخطط له أن يجري في العرقوب على نفس المستوى ، ولكنه لم يتم حتى الآن..

فهل يتم ذلك للعدو، فيما بعد ؟ إننا نعلم حق العلم أن العدو قام بمحاولتين في غور الصافي قبل أن يفرض ذلك الوضع الفريد والمتواطىء الذي يعم تلك المنطقة الآن، فهل نتوقع محاولات إسرائيلية أخرى قريباً في العرقوب لفرض ذاته؟

استراتيجية المناطق المجردة:

يجب أن نعترف في الواقع، بما يلي:

  • استطاع العدو ، بالقمع والعدوان والتواطؤ مع الرجعية، أن يفرض منطق "المنطقة المجردة" أو "حزام الأمن" على :
  • منطقة العقبة وإيلات وشمالها.
  • منطقة غور الصافي.
  • منطقة القطاعين الغربي والأوسط في الحدود الشمالية، وكان العدو قد بنى حاجزاً معقداً من الشونة الشمالية إلى الشونة الجنوبية. وفي السويس أنشأ ما يعرف بخط بارليف الفاشل، ويحاول الآن فرض منطق حزام الأمن هذا على منطقتين حساستين هما :
  • غور الأردن الشمالي ( منطقة إربد) التي تعرضت مؤخراً لقصف إسرائيلي كثيف، ولا شك أن الأعمال العسكرية ضدها ستتصاعد.
  • ومنطقة العرقوب التي شهدت طوال الشهر الماضي هجمات إسرائيلية كثيفة وصلت إلى ذروتها في العدوان الأخير الذي احتل فيه الإسرائيليون مساحة كبيرة من تلك المنطقة مدة 33 ساعة ! ذلك هو أسلوب قياسها.

وإذا شئنا فعلاً أن نستخدم ميدان القتال، كما ينبغي: أكاديمية عسكرية وساحة مناورات حية، ومختبراً لخطوطنا الاستراتيجية فيجب تفحص المسألة بصورة جادة، وليس إخفاء تفصيلها ووقائعها وآفاقها ونتائجها تحت صخب الحماس والمبالغة ومن خلال الاستعاضة عن الموضوعية والشجاعة بالطلاق مع الحقيقة..

إذن ، وعلى ضوء هذ الصورة، ماذا حدث؟

 

ملاحظات على هامش المعركة:

 

أولاً : كانت معظم قيادات المقاومة في الجنوب تتوقع إنزالاً مظلياً إسرائيلياً أو هجمة مجوقلة، ولذلك فالنوع الغالب من السلاح كان السلاح الفردي، ومن هنا فحين شن العدو هجومه بالمدرعات كانت المفاجأة مزدوجة في الواقع : من حيث النوعية والكمية في وقت واحد.

ثانياً : لم تكن تتوفر خطة موحدة بين فصائل المقاومة المنتشرة في المنطقة، والقتال المشترك بين الفصائل (كالمعركة التي خاضها رجال من فتح والجبهة الشعبية وجبهة التحرير العربية في الخريبة) إنما تقررت تلقائياً، وكل القتال المشترك ضد العدو كان يتقرر على تلك الصورة تقريباً.

ثالثاً: كان الصخب الإعلامي الرسمي وغير الرسمي، أكبر بما لا يقارن من حقيقة ما وقع. طبعاً إن هذا الكلام لا يمر عابراً فوق البطولات من مختلف الفصائل، ولا يمر عابراً فوق دماء الشهداء الغالية، ولكنه يهدف إلى الاستفادة حتى أقصى درجة من التجربة، بحيث لا تضيع قيمتها تحت قرع الإعلام العالي..

رابعاً : إن النقد، هنا، يجب أن يكون محدداً بمسؤولية تهدف التوصل إلى إيجابيات تخدم المعركة، وليس لمجرد تسجيل مواقف عصبوية (فالجبهة الديمقراطية التي لم تكن موجودة في تلك المنطقة عند المعركة لا يمكن طبعاً الانتقاص نتيجة ذلك من وطنية رجالها، ولا من كمية حقها في النقد، ولكن أيضاً لا يمكن قبول أسلوب الاستعلاء والهمس في محاولة النيل من بقية المقاتلين).

 

نظرة على الإعلام:

ومن الممكن إلقاء نظرة شاملة على الموضوع كما يلي:

ليس فقط أن الإعلام العربي لم يستطع نقل صورة حقيقية أو قريبة من الحقيقة عن العدوان الإسرئيلي الغادر على منطقة العرقوب في لبنان، وعن الوضع هناك قبل وبعد ذلك العدوان، بل أنه في الوقت نفسه أوقع حتى الذين يلتزمون الصدق، في جو من البلبلة والغموض والتناقضات.. ولم يعد سهلاً بعد كل الفوضى الإعلامية وغير الإعلامية التي عمت أثر العدوان.. أن ينفذ المرء إلى الحقيقة، وفي مثل هذا الجو ينسحب الغموض من مستوى الأخبار إلى مستوى التحليلات التي تصاب في ذات الوقت بالأمراض نفسها التي تصاب بها الأنباء المضخمة أحياناً والمتضاربة احياناً والمريضة على الأقل في كل حين .

لكن بعض الإشارات تبقى على طريق الحقيقة، التي يمكن الاستدلال إليها وبها من خلال نوعين من العمل : الأول هو غربلة كل الأخبار من كافة المصادر واكتشاف ما فيها من اشتراك أو إجماع حول بعض النقاط، والثاني هو الانتقال إلى هناك وتلمس الحقيقة على الأرض مع الناس الذين تعرضوا للعدوان.. ومع المقاتلين، ومع الطبيعة التي جرى عليها العدوان, ومن خلال هذين الموقفين سنحاول أن نضع بعض النقاط على درب الحقيقة، درب محاولة فهم ما جرى ولماذا جرى وكيف، وفهم ما هو الوضع القائم هناك وماذا يمكن أن يطرأ عليه من تغيرات في المستقبل القريب..

  • هنالك إجماع عن كافة المصادر على نقطة رئيسية.. وذلك الإجماع تؤيده الرؤية الحية، كما تؤيده أقوال مسؤولي إسرائيل الذين خططوا للعدوان، وهذه النقطة هي أن العدوان استهدف بشكل رئيسي ضرب المقاومة الفلسطينية هناك، وإلى جانب أن هذا الهدف هو خط استراتيجي لدى العدو لا يمكن أن يتخلى عنه، سنحاول أن نسجل بعض النقاط التكتيكية التي ساهمت في توقيت ذلك العدوان: إن أي مخطط ذكي لضرب عدو سيتركز بالفعل على التخطيط لإصابته في نقاط ضعفه.. تلك النقاط التي قد تكون جغرافية (كضربه في حال من أحوال ضعفه) وفي هذا المجال ركز العدو الإسرائيلي على الجانب الثاني.. والذي يدل على ذلك أنه لم يستطع لأسباب صارت معروفة أن يصيب المقاومة بخسارة مادية كبيرة، في الوقت الذي دفع لها ثمناً باهظاً وتؤكد المعلومات بعد أن هدأت الضجة الإعلامية أن خسائر المقاومة كانت ما يقارب العشرة شهداء بينما لم تقل خسائر العدو بالأرواح عن خمس وعشرين قتيلاً..

لكن هذه الصورة لا تلغي أن العدو حقق هدفاً تكتيكياً له ضمن خط القضاء على المقاومة، ليست هذه الصورة (الخسائر المادية) إلا بقعة صغيرة جداً ضمن دائرة تحقيقة لذلك الهدف..

وقدرته على تحقيق ذلك الهدف مستندة بالفعل إلى قدرته على الاختيار الزمني للمعركة ليس من حيث الوقت بل من حيث حال المقاومة في ذلك الوقت.. وقد استند العدو في ذلك على موضوعة أن ضرب المقاومة المجدي لا يكون إلا بضرب علاقاتها مع الجماهير المحيطة بها، أي بإخراج السمكة من الماء على حد تعبير ماوتسي تونغ .. وهذا بالضبط ما هدف إليه العدو ونجح نجاحاً ليس قليلاً في تحقيقه.

وفي عرضنا لكيفية حدوث ذلك سنستند إلى ما سمعناه من أفواه الناس والمقاتلين لدى زياراتنا للمنطقة.

الناس والمقاتلون:

يقول الناس هناك ويؤكد ذلك المقاتلون أن الجماهير في الجنوب بمعظمها تؤيد العمل الفدائي وتؤيد تواجده فيما بينها وأنه لولا ذلك لما يمكن من التواجد بالأساس، إلا أن الجماهير لا تؤيد العمل الفدائي لمجرد الهوى.. بل لأنها تؤيد القتال الشعبي الجدي ضد العدو الإسرائيلي وخاصة في الجنوب حيث يقع على بعد أمتار من قرى وبيوت الجماهير العربية هناك، فتراه تلك الجماهير وترى نفسها مرشحة للاحتلال من قبله.. إلا أن العامل الذي كان يهز حب الجماهير للعمل الفدائي وتعلقها به هي تلك السلبيات التي كانت تتفاقم في سلوك وطبيعة عمل بعض العناصر الموجودة هناك.. فبالإضافة إلى بعض الأخطاء السلوكية التي يحملها بعض الأفراد معهم نتيجة أمراض اجتماعية ما استطاعوا بعد التحرر منها، وهذه الأخطاء التي يمكن للجماهير أن تعيها ويكون تأثيرها على علاقة العمل الفدائي بالجماهير محدوداً نتيجة قناعة الجماهير بأن المقاتلين ليسوا "معلبات" لها مواصفات محددة ومتشابهة ومتطابقة .. بل هم من هذا الشعب وسيظلون إلى فترة غير قصيرة يحملون البعض من أمراضه كما قلنا.. فبالإضافة إلى هذه الأخطاء كانت تتضخم في السلوك القتالي للفدائيين بعض الأمراض التي تتجه ، بعكس الأخطاء الأولى، من الصغر إلى الكبر حتى تكاد تشكل سرطاناً يلتهم كل إيجابيات المهمة الثورية الكبيرة التي يحملها العمل الفدائي وتقدسها الجماهير.. وهذا النوع من الأمراض يمكن وضعه بشكل إجمالي تحت اسم "القتال السهل ذي الضوضاء الإعلامية المعزول عن أية جدية وجدوى " فمراراً- يقول الناس- قلنا للفدائيين أن يبطلوا طريقة إطلاق الصواريخ التي كثيراً ما تقع في أراض خالية ضمن الأرض المحتلة أو حتى في بعض الأحيان نراها تقع في الأرض اللبنانية ذاتها.. وهي في الحالتين لا تؤدي إلى أي ضرر لدى العدو بينما تدفعه بالمقابل إلى الرد إلى مكان انطلاق القذائف فيصيب بيوتنا ويوقع بيننا خسائر كبيرة كثمن فادح لعمل لم يؤد إلى أي شيء ..".

إن مثل هذه الأقوال تتردد بحيث لا يجوز المرور بها مروراً عابراً ، ومن المؤكد أن ظواهر من هذا النوع قد تكون جزئية جداً، ولكنها تغطي على الإيجابيات..

إن قول الناس هذا إن لم يكن هو الحقيقة فهو كما يقول قريب من الحقيقة، وفي قمة تذمر الناس من هذا الموضوع جاء العدوان على العرقوب: قد يكون العدو نفسه وراء ترويج ذلك التذمر إعلامياً، ولكنه ما كان ليقدر على ذلك لو لم يستطع اصطياد حادث أو حادثين أو أكثر من هذا النوع.

والمنطق الذي ترضاه جماهير الجنوب يقول إن تواجد الفدائيين وتعلق الجماهير بذلك التواجد في الجنوب سيحمل الأهالي نتائج دون شك..والجماهير تعلم ذلك وترضى بذلك حين نجد بالمقابل أن العمل الفدائي يحقق عملاً ثورياً هناك.. لكنها في الحقيقة ليست مستعدة لتحمله (وقد جرى قبل العدوان الأخير بأيام هدم سبعين منزلاً بالقصف)، إذا كان العمل الفدائي بالمقابل سيكون بدون جدوى وسينزلق إلى الحلول الإعلامية ذات القتال الخارجي السهل..

في ذروة تصاعد هذا التناقض لدى الجماهير بين القبول بالعمل الفدائي كثورة بين رؤيتهم للواقع الذي يبدو فيه تناقض كبير مع تلك الثورة، جاء العدوان الإسرائيلي على العرقوب.. فأثر في هذا النطاق تأثيراً كبيراً، ولا يمكن تقدير حجمه إلا برؤية المنازل المهجورة هناك: لقد هاجرت جماهير غفيرة وهي في أعماقها أو صراحة تقول العبارات التي نقلناها فيما تقدم.. وإذا كان الهدف الأساسي الأول من عدوان إسرائيل على العرقوب هو عزل العمل الفدائي عن الناس أو إخراج الناس من ساحة القتال مع الفدائيين، أي تفريغ بركة السمك مما فيها من ماء.. فلا شك أن العدو قد ينجح في ذلك نجاحاً مهماً إن لم نضع حدوداً له، تبقي تلك الحدود أكبر من الخسائر التي أصابت العدو من جراء عدوانه.

 

أهداف أخرى للعدوان:

وبالإضافة إلى هذا الهدف الأساسي للعدوان كان لدى العدو سبب آخر قد يبدو للوهلة الأولى متناقضاً مع السبب الأول.. لكن هذا التناقض قائم تماماً كالتناقض بين الأعمال الثورية الفعالة والأعمال الإعلامية غير الفعالة في قلب العمل الفدائي.. والهدف المقصود هنا هو زرع الاطمئنان في قلب سكان المستعمرات الإسرائيلية الشمالية ذات الأهميات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة جداً لدى العدو، وبعد أن أصيبت تلك المستعمرات خلال الفترة الماضية وخاصة الأيام التي سبقت العدوان بضربات قوية وعميقة..

وهنا، في منتهى الأمانة والصدق لابد لنا من ذكر ما سمعناه من الناس والمقاتلين عن العمليات التي قامت بها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قبل العدوان في داخل الأرض المحتلة والتي لم يجر في البيانات التي صدرت عن الجبهة بشأنها أي مبالغة، مما جعلها تمر دون أية ضجة إعلامية بالنسبة أو على مقربة من التضخيم الإعلامي الذي تغوص فيه عمليات أخرى..

الضربات التي وجهتها الجبهة للعدوان قبل العدوان لم تكن جديدة من حيث أنها في داخل الأرض المحتلة، وإن كانت شديدة من حيث حصيلتها واعتراف العدو بعدد كبير من القتلى العسكريين حضرت غولدا مائير شخصياً لتشييع جنازاتهم ، إلا أن ما هو جديد في تلك العمليات أنها كانت ضربات نهارية..هذا الأمر الذي لم يكن يحدث من قبل وقد اعتبرته إسرائيل تطوراً خطيراً في أسلوب قتال الفدائيين.. فالعمل الليلي كانت إسرائيل قد حسبت له كل حساب.. والمستوطنون في المستعمرات كانوا ينامون في الملاجىء ضمن ذلك الحساب حتى تبقى أضرار العمليات الفدائية الليلية مادية فقط.. لكن العمليات النهارية الجديدة من هذه الزاوية كانت تضرب العدو وهو خارج الملاجىء وهو في عمله، في حياته اليومية التي لا يمكنه الاستغناء عنها أو تغييرها..

وحاول في البدء منع تلك العمليات الخطيرة بأن نشر عدداً كبيراً من الدرويات العسكرية النهارية على طول منطقة الحدود، وبالإضافة إلى أن هذه الدوريات هي تعطيل لجهد بشري محسوب له الحساب بدقة في مجتمع العدو.. كانت هذه الدوريات هدفاً جيداً لضربات جديدة من قبل المقاومة.

وقد بلغ عدم اطمئنان أهل المستعمرات الشمالية على حياتهم ذروته في الفترة الأخيرة.. وكان واضحاً ذلك في خطب كل من غولدا مائير وبارليف وديان في تلك المنطقة.. حيث وعدوا بأن إسرائيل سوف ترد على تلك العمليات بشكل فعّال يؤدي كما قال يغال آلون نائب رئيسة وزراء إسرائيل "إلى خلق حزام آمن ضمن الأراضي اللبنانية" ، وهكذا كان عدوان إسرائيل على العرقوب.

الحركة الوطنية اللبنانية؟

وهنالك نقطة ثالثة برزت قبل وخلال وبعد العدوان على العرقوب لها علاقة أساسية جداً بالمعركة، ألا وهي موقف وأسلوب عمل القوى المضادة للثورة والقوى المؤيدة لها في الداخل .. فبينما برز جلياً أن القوى الرجعية المضادة كانت (وكأنها على مقربة من العلم بالعدوان) متحفزة لاستغلال العدوان على العرقوب، من أجل شهر حملة مركزة ومستمرة ضد وجود العمل الفدائي وضد القوى الوطنية في الداخل.. واتخذت في الوقت نفسه أسلوباً تكتيكياً بالتركيز على تضخيم دور السلطة وتصويره كأنه كان تبرعاً كريماً منها في قضية لا علاقة للبنان بها.

أمام هذا التحرك الذكي والمحموم برز جلياً القصور في دور القوى التقدمية والوطنية اللبنانية.. فهذه القوى المفروض فيها أن تكون المسارعة للدفاع عن الوطن داخلياً وخارجياً، المسارعة إلى تنظيم جماهير الجنوب وتسليحها والقتال معها في وجه العدوان الذي هو عدوان على لبنان وعلى تلك الجماهير قبل أن يكون على المقاومة الفلسطينية.. وهو يدخل حتى في حال استهدافه للمقاومة ضمن خط العدوان التوسعي الإسرائيلي الذي يصيب لبنان وجدت المقاومة فيه أم لم توجد.. إن هذه القوى التقدمية والوطنية يلقى عليها العدوان وواقع الجنوب مسؤوليات ضخمة يجب أن تبادر فوراً إلى تحملها بشكل جدي وفعّال أكثر من جدوى وفعالية البيانات وحتى المظاهرات، وليس ما سنورده حول دعوة هذه القوى مع المقاومة إلى حملة تبرعات للتعويض عن الجماهير المتضررة إلا جزءاً يسيراً وأولياً من تلك المهمات.

فلا يكفي أن يتركز العمل على عودة المهاجرين إلى قراهم وتثبيت الجماهير هناك.. بل يجب التركيز على أن تعود الجماهير مسلحة ومعبأة ومنظمة بشكل يجعلها تعيش حياة ثقة بنفسها وبأن الجماهير في كل لبنان معها وبأن لها وللجماهير دوراً في الدفاع عن وجودها ومصيرها..

وإذا كان موضوع مهمات القوى الوطنية والتقدمية في لبنان موضوعاً من المفروض بتلك القوى أن تبادر فوراً إلى دراسته، وإلى الانتقال لمستوى المعركة الجدية والخطيرة التي تعيشها الجماهير، فإننا سننتقل إلى ما يجب أن تبادر المقاومة عمله فوراً.

السؤال الأساسي الذي يجابه المقاومة الآن هو : هل يمكن للمقاومة أن تستدرك الوضع وتقذف بالكرة إلى مرمى العدو فتحبط مخططه المزدوج الهدف وتمنعه من تحقيقه؟ فهل يمكن لها بعد الآن أن تعيد الاطمئنان إلى قلب سكان القرى الأمامية اللبنانية وعدم الاطمئنان إلى قلب مستعمرات العدو.. بعد أن استهدف العدو كما أوضحنا تحقيق العكس مستنداً إلى أمرين: سلبيات المقاومة وقوته هو ؟

الجواب على هذا السؤال مربوط بالحقيقة التالية:

العدو يعتمد على نقاط ضعف المقاومة التي هي سلبياتها..وعلى قوته العسكرية، وتكون المقاومة قادرة على الرد في حال اعتمادها على ما يناقض معتقدات العدو.. أي باعتمادها على نقاط ضعف العدو وعلى قوتها فكيف يكون ذلك؟

إن مسيرة المقاومة هي مسيرة ثورية مترافقة مع حركة التاريخ بينما العدو يحاول أن يجر عجلة التاريخ إلى الوراء.. والمقاومة تتحرك ضمن بحر غير محدود وقدرة المقاومة غير محدودة.

الشيء الوحيد الذي يجب أن تفعله المقاومة هو البحث عن كيفية استعمال تلك القدرة غير المحدودة..

إن الجماهير طاقة القوة الوحيدة لدى المقاومة.. واستنفار هذه الطاقة يتطلب التزاماً ثورياً تعبيراً عن كل هدف آخر محدود بكسب رخيص أو مؤقت يؤدي في النهاية إلى خسران كل شيء.

هذا الحديث العام يتجسد الآن في الجنوب..إن الجماهير في الجنوب ليس سهلاً عليها أن تهجر بيوتها ومزارعها سيما وأنها جماهير فقيرة،لاشك أنها ستواجه الآلام الكبيرة والكبيرة جداً في منفاها (بيروت ومدن الداخل).. وهذه الجماهير متعلقة بالثورة... تفضل البقاء في بيوتها، ومن هاجر يفضل العودة في حال التزام المقاومة بمهمة صيرورتها ثورة قبل كل شيء وعلى حساب كل شيء.. وللجماهير في هذا المجال مطالب يجب أن تتحقق، وهي قسمان قسم حول وضع وأسلوب عمل المقاومة وقسم حول وضع الأهالي ذاته..

القسم الأول: على المقاومة أن تقف بحزم أمام كل سلبياتها السلوكية والقتالية فتبتر كل النتوءات غير الثورية في هذين المجالين.. أي تعمل على تثوير علاقة المقاتل بالناس حتى يصير المقاتل نموذجياً أو قريباً من النموذجي.. ثم تعمل بسرعة إلى وقف كل الأعمال الإدعائية غير الثورية وغير المجدية، وفي هذا الصدد مدعوة كافة الفصائل إلى تشكيل لجنة عسكرية ثورية يكون لها سلطة فعلية لمنع أي عمل من نوع الأعمال التي تحدثنا عنها في بداية هذا المقال، وتكون مسؤولة عن تقييم كل عملية وعن الإعلام عنها وبحجمها وبحجمه فقط دون أي تعويل أو تضخيم.

إن كسب الجماهير في مناطق تواجد العمل الفدائي أهم ومتقدم على كسب كل الناس الذين تصلهم الأنباء من خلال الإذاعات أو الصحف أو البلاغات.. إن للناس حيث العمل الفدائي يقوم فعلاً بالقتال، عيوناً ترى وآذاناً تسمع وكل كلمة مضخمة يسمعونها من الراديو أو يقرأها في جريدة تشكل صفعة لهم تخدم في النهاية إسرائيل..

أما الأمر الثاني أي وضع الجماهير في الجنوبخطاأخطا

 الآن.. فلا شك أن الجماهير هناك وخاصة الفقية،هي في حال من التضرر مسؤول عن تعويضه كل إنسان في هذا العالم العربي كمسؤوليته عن الثورة وعن فصائل المقاومة التي تشكل طليعة الثورة أن تبادر فوراً مع كافة القوى الوطنية والتقدمية إلى حملة التبرعات التي تعوض عما تتضرر به الناس في الجنوب.

إن الذين هاجروا سيعودون مهما تباطأوا في ذلك، والذين ينوون الهجرة سيبقون في بيوتهم، والشرط الوحيد لذلك هو أن شعورهم بأن العمل الفدائي جاد في التزامه بأخلاقية الثوار، الأمر الذي يجب أن يتأكد كل يوم.. بل يجب أن يشكل الخط الأساسي في حياة المقاومة..

على هامش معركة العرقوب:

تقدر مصادر عسكرية في الأوساط الفدائية حجم القوة العسكرية الإسرائيلية التي هاجمت العرقوب 25 دبابة و 35 آلية ما بين ناقلة جنود وعربة نصف مجنزرة، مع ثلاث جرافات وهو رقم يقل كثيراً عن الأرقام التي عممتها البلاغات العسكرية .

أهداف العملية:

للعملية أهداف سياسية نفسية تستهدف فلاحي الجنوب (قطع صلتهم بالمقاومة وإشعارهم بقدرة و"سلطة" الجيش الإسرائيلي وتستهدف العملية إعطاء الرجعية اللبنانية المزيد من الحجج والمبررات، وتقديم عرض لها على أسلوب التدخل المحتمل. وتستهدف العملية، ثالثاً،هز ثقة الفدائيين بأنفسهم وبقياداتهم وتشكيكهم.

المقاومة :

كان الفدائيون على اختلاف فصائلهم، يتوقعون هجوماً من نوع: إنزال فتطويق فتمشيط، ولكن الهجوم الإسرائيلي حدث بصورة مغايرة، إذ تقدم رتل مدرع، تفصل مسافات قصيرة بين قطعه وراء سدود نارية متنقلة.

تتلخص الأخطاء التي حدثت في هذه المعركة بـ: انعدام التنسيق بين فصائل المقاومة، انعدام وجود خطة معاكسة، وجود معظم قيادات الفصائل في الخطوط الخلفية (كان أحمد جبريل – "الجبهة الشعبية - القيادة العامة"هو الذي تقدم في خطوط المعركة أكثر).

أما الخطأ الأكبر فهو، إن المعركة باعتبار بعض العسكريين، هي فرصة نادرة ضاعت، فقد كان بوسع المقاومة بقليل من التنسيق والتخطيط تمزيق المدرعات الإسرائيلية عن طريق اقتناصها في الليل، وزرع الألغام في طريق عودتها.