Menu
Menu

في أعمال ومؤلفات

جنوب لبنان: أرض مجردة أم ميدان معركة؟

تنشر بوابة الهدف سلسلة من المقالات التي كتبها الشهيد غسان كنفاني، قبل استشهاده، تتحدث عن عدة قضايا سياسية وفلسطينية ووطنية.

نتطرق اليوم إلى أول المقالات، وهو "جنول لبنان: أرض مجردة أم ميدان معركة؟ - بعد العدوان على عيتا الشعب:ماذا يريد الإسرائيليون في الجنوب؟، والذي كتبه غسان كنفاني بتاريخ السبت 14 آذار 1970 العدد 32 من مجلة الهدف".

يرمي الإسرائيليون بثقلهم الآن لتحقيق "أمر واقع" يلائمهم في جنوب لبنان، وهذا الأمر الواقع ليس الاحتلال (الآن) ولا الاعتداءات الكبيرة، ولكن"إنشاء" حزام مجرد من السلاح (والسكان) يمتد من 10 غلى 15 كيلو متر، على طول الحدود الجنوبية للبنان.

وإسرائيل، من خلال الظروف الموضوعية المحيطة بها محلياً ودولياً، لا تستطيع أن تقوم بعمل احتلالي أو اكتساحي في الوقت الحاضر، ولكنها أيضاً لا تستطيع عبر ذلك أن تنسى بأن الجبهة اللبنانية، بسبب من طبيعتها الطوبوغرافية، تشكل خطراً محتملاً دائماً: فلا حالة الهدنة ( هدنة 1949) تقبلها إسرائيل ولا حالة الحرب أيضاً، حالة نصف أو ربع الحرب القائمة فعلياً على حدود فلسطين المحتلة الشمالية.

ونتيجة ذلك فإن إسرائيل التي لا تعتبر الحدود الحالية (خطوط الهدنة) حدوداً آمنة، ولا تستطيع أن تفرض حدوداً آمنة عن طريق عمل احتلالي (لأسباب محلية وخصوصاً دولية) تستطيع بالاتفاق مع أكثر"أصدقاء" لبنان تحمساً على "حل وسط" وهو فرض شريط مجرد من السلاح والناس، عرضه من 10 إلى 15 كيلو متر يمتد على طول الحدود الجنوبية للبنان.

والواقع أن الإسرائيليين قاموا "بتجربة" مصغرة لمثل هذا المخطط حين فرضوا في منطقة "الغجر" القليلة الكثافة، ولكن المهمة استراتيجياً وطوبرغرافية، حالة"حياد" تهدف إلى تعطل فعاليتها العسكرية والبشرية: فتقطع أولاً طريق العبور من هذه المنطقة إلى الجولان، وكذلك إلى الجليل الأعلى الشرقي، والأهم من ذلك "تحمي" خط البترول (التابلاين) الذي يمر هناك قادماً من السعودية، عبر الجولان المحتل، ليصب في الزهراني .

وتشير مجموع الأحداث الجزئية التي تتراكم يومياً أن إسرائيل راغبة فعلاً، وهو في سبيل محاولة التنفيذ، في تعميم هذه "التجربة" التي فرضتها بالقوة على منطقة الغجر، في الزاوية الشرقية للمكان الذي تلتقي فيه الحدود اللبنانية بالسورية بالفلسطينية. والأعمال العسكرية التي تقوم بها القوات الإسرائيلية في الجنوب هي أعمال إرهابية أكثر منها أعمالاً ذات غايات استراتيجية عسكرية مباشرة، وهي جزء أساسي من حرب معنوية ونفسية لا تشنها إسرائيل وحدها، بل تروج لها مصادر عديدة في كل مكان تقريباً، بعضها عن جهل وبعضها الآخر عن عمد.

في العدوان الإسرائيلي الأخير على "عيتا الشعب" نفذت القوات الإسرائيلية حلقة من هذه الحلقات المتوقع استمرارها، والتي تشكل بمجملها حقيقة الخطة المبيتة.

ولم يكن الترويج الإعلامي اللافت للنظر للتهديدات الإسرائيلية التي سبقت ذلك العدوان إلا جزءاً متصلاً من تلك الحملة، ويلعب فيها دوراً أهم بكثير من الدور الذي لعبته حوالي 30 آلية إسرائيلية طوقت وهاجمت القرية الصغيرة العزلاء.

قبل شهور قليلة كان الإسرائيليون يهدفون "محو" قواعد العمل الفدائي في الجنوب، ولذلك شنوا غاراتهم الجوية وأنزلو قواتهم المحمولة حيث اعتقدوا أن الفدائيين يتمركزون، وفي إحدى هذه العمليات، التي وصفناها في عدد سابق من"الهدف" بأنها كانت "عملية استطلاع قتالية"، في منطقة العرقوب (كفر شوبا الهبارية يوم 4 تشرين الثاني الماضي) أخذ الإسرائيليون يغيرون في تكتيكهم بالتدريج، ويبدو أن تلك"العملية الاستطلاعية القتالية" قد أكدت للإسرائيليين عبث مثل هذه العمليات وفشلها- مهما كانت إنجازاتها الحسابية- في جعل الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة "حدوداً آمنة" ومن هذه النقطة بدأ الإسرائيليون في تنفيذ خطتهم البديلة، لبناء "منطقة مجردة" في الأرض اللبنانية تمتد بموازاة الشارع العريض الذي أتمت إسرائيل شقة وتعبيده خلال الماضي، والذي يمتد في نقطة تقع على خط الهدنة بالضبط: غرباً من رأس الناقورة وتجاوز الآن في اتجاهه نحو الشرق مشارف قرية العديسة، صاعدا نحو المنطقة المقابلة لقرية كفر كلا.

إن العدوان الإسرائيلي على قرية "عيتا الشعب" مهم، كنموذج لأنه هو النموذج الذي سيتكرر:

فقد تحركت في الساعة العاشرة من مساء الجمعة الماضي (10/3) حوالي 30 آلية، وكانت آليات الطابور متقاربة بصورة مخلة بكل قواعد الأمن العسكري: وقد جاءت الآليات من جهة الشرق، متجهة نحو مستعمرة شتولا الواقعة على الحدود تماماً جنوب غرب عيتا، وكانت أنوارها مضاءة كلياً، ولا ريب في أن هذا النوع من التحريك العسكري الاستعراضي العلني، على طول رقعة شاسعة الحدود، لضرب هدف مدني محدود، لا يهدف بالدرجة الأولى إلى نسف خمسة بيوت من القرية العزلاء، ولكن شن حرب نفسية على سكان منطقة الحدود، لإرغامهم – بالإرهاب والتخويف- على الهجرة وعلى إخلاء الشريط المواجه لشارع "رأس الناقورة- كفر كلا" بعمق يتراوح بين 10 و 15 كيلو متر.

إن الجزء الأهم في هذه العملبات ليس حجمها العسكري ولا مهماتها التكتيكية، بل هو الإرهاب والتخويف الذي سبقها وتخللها وأعقبها، والذي تولت أجهزة عديدة في العالم الترويج له بحماس.

أمام ذلك كله تبرز ضرورة المواجهة للرد على مخطط من هذا النوع: إن العمليات الإسرائيلية المذكورة تعتمد على عنصر الزمن، الذي تعتقد أنه سيؤدي إلى إنهاك سكان الجنوب وتمزيق معنوياتهم وهدم الأسس التي يرتكز عليها صمودهم، ويبدو واضحاً أن المهمة الأولى في أية مواجهة جادة ينبغي لها أن تضع باعتبارها قلب الميزان الزمني ضد مصلحة إسرائيل.

إن ذلك يتم طبعاً بالمقاومة ، المقاومة كمبدأ، المقاومة كسلوك وممارسة، المقاومة كعلاقة بالجماهير. وتحقيق ذلك ليس سهلاً، وهو حتماً لا يمكن إنجازه من خلال تمتين وترسيخ حجم القواعد الفدائية عسكرياً فقط، ولكن من خلال تعميم المقاومة كعقيدة جماهيرية.

إن هجرة مضادة ينبغي أن تبدأ، متجهة إلى الجنوب: لا معنى أبداً الآن للحديث عن صمود الجنوب، ولا حتى عن الوطن، إن لم يرتق هذا الحديث بإجراء محدد، من قبل المنظمات الوطنية اللبنانية بالدرجة الأولى بتحفيز جزءاً كبيراً من قوتها ومن عناصرها للاتجاه نحو الجنوب: للعيش بين جماهير الجنوب، للالتحام معهم، لشن المعركة النفسية والنضال المسلح إلى جانبهم، لتحويل "المنطقة المجردة" المحتملة، إلى ميدان صمود ونضال نموذجي.

دون هذا السلوك تظل أفضل العبارات الوطنية والتحليلات مجرد طنين في الفراغ، "فاليمين" الذي يتحدث عن "الوطن" دون أن يقاتل في الجنوب أو يصمد هناك هو إنما يفرط بالوطن، الاتجاه نحو الجنوب : ذلك هو الشعار الآن.