Menu
Menu

في تقارير ومقالات

قاسم حول يروي لـ"الهدف" كواليس إنتاج فيلم عائد إلى حيفا

غزة _ أحمد بدير _ خاص بوابة الهدف

في الذكرى السادسة والأربعين لاستشهاد الأديب المقاوم غسّان كنفاني، تُحاور "بوابة الهدف" المُخرج السينمائي والكاتب العراقي قاسم حوَل، الذي أسس قسم السينما في مجلة "الهدف" في سبعينيات القرن الماضي حين كانت تصدرُ في بيروت.

ننشر هنا الجزء الثاني من الحوار، الذي يتحدث فيه "حَول" عن تفاصيل إنتاج فيلم "عائد إلى حيفا".

بعد غياب غسان

بعد استشهاد غسان كنفاني أخرجتُ فيلمًا قصيرًا اسمه "الكلمة البندقية"، عن عائلته وحياته، لكن نظراتي كانت تتجه نحو رواية "الأعمى والأطرش". أبلغتُ المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أني أريد إخراج فيلم روائي من أحدى روايات غسان كنفاني. لأن كل أفلام الثورة الفلسطينية كانت وثائقية. لذا أردنا هذه المرة إنتاج فيلم روائي. فاجتمع المكتب السياسي واقترح رواية "عائد إلى حيفا" كونها تتناول قضيّة الهجرة الفلسطينية بشكلٍ مُعمّق، فأخبرتُهم أن الفيلم يحتاج لإمكانياتٍ ضخمة لأن الرواية ذات طبيعة ملحمية.

لم يُوافق المكتب السياسي على إنتاج الفيلم في البداية، وكذلك جورج حبش، الذي قلت له في أول لقاءٍ لي معه "يا رفيق، البندقية مهمة جدًا في النضال، ولكن هناك نضال آخر، ثقافي وسينمائي، ينبغي أن نؤسس قسماً للسينما للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين". 

في أوّل لقاء لي مع غسان كنفاني، طلب مني أن أبقى مع الجبهة الشعبية في بيروت، وفي الوقت الذي كنت أتعرف فيه على المخيّمات، كنت أبحث عن فكرة كي أقنع فيها جورج حبش ليوافق على إنتاج الفيلم. فكرت أن أخرج فيلمًا وثائقيًا.

كانت هناك مجموعة من السيدات في مخيّم نهر البارد لا يوجد لديهنّ مياه، فيذهبْن لغسل الملابس والأواني في منطقة بعيدة عند مجرى النهر البارد ثمّ يرجعنَ للمخيم، فطلبت منه أن نعمل فيلماً يُحاكي قصتهنّ. وأخبرت جورج حبش أنه يكلّف أربعة آلاف دولار، وبعد مجادلةٍ قصيرة سلّموني المبلغ.

الفلوس مع العراقي!

من سخرية القدر، أنّه في الشهر الذي تلى تسلّمي المبلغ، تأخّرت المخصصات المالية التي تدفعها الجبهة الشعبية لأبناء المخيمات، فسرت إشاعة مفادها "أن هناك شخصًا عراقيًا أخذ المخصصات لإنتاج فيلم وسينما".

صوّرنا الفيلم وعرضناه في مهرجان لايبزغ بالمانيا ونشرنا في مجلة الهدف كل ما كتب عنه في الصحف الألمانية، بعد ترجمته من اللغات الأخرى إلى العربية. وأصبح لدينا نهج، بأن نعرض الأفلام المتنوعة في المخيمات وبشكلٍ دوري، منها الكوبية والفيتنامية وغيرهما، حتى اعتاد الأهالي رؤيتنا في كل مناسبة ومهرجان، وبعدها أصبح لدى الجميع ظاهرة الثقافة المسرحية والسينمائية.

أسستُ مجلة "الهدف السينمائية"، وأصبحتُ أحد مؤسسي نادي السينما في لبنان، وهذا للتاريخ، بأننا وصلنا في الثقافة السينمائية إلى مرحلة دفعت جورج حبش ليقول لي "بدأت أقرأ مجلة الهدف من الصفحات الأخيرة حتى الأولى وليس العكس"، كون الصفحات الثقافية تتواجد في آخر المجلة.

أصبحنا معروفين على مستوى العالم، حتى أنهم اختاروني أنا والشاعر العظيم معين بسيسو في مدينة سوتشي الروسية، لتطعيم الشجرة التي طعّمها الرواد الروس قبل أن يصعدوا إلى الفضاء في تلك الفترة.

أصدرنا في مجلة الهدف أربعة أعداد فقط من "الهدف السينمائية"، كانت تصدر كل ستة شهور، أحد هذه الأعداد كان خاصًا بزيارة جورج حبش إلى "البوليساريو" الصحراء الغربية، وهذه المجلة كانت توزع في جميع أنحاء العالم، وبالفعل كانت مرآةً للواقع الفلسطيني.

لنبدأ العمل

بعد ذلك، أصدر المكتب السياسي للجبهة قرارًا يقضي بإنتاج فيلم "عائد إلى حيفا" وليس "الأعمى والأطرش"، فبدأتُ بكتابة السيناريو، وشاركَنا رشاد أبو شاور في كتابة بعض المشاهد الحوارية بنفس روحية غسان كنفاني.

وصلتُ لمرحلة اختيار الممثلين، فقررتُ ألّا أتبع خطى توفيق صالح في اختيار أسماء أفلامه، فهو أطلق على فيلم  رواية "رجال في الشمس" المخدوعون، وفيلم رواية "ما تبقى لكم" السكين، فتغيير الاسم غير صحيح من وجهة نظري؛ كون اسم الرواية بالأساس جميلاً سيّما رواية "رجال في الشمس"؛ ولو أبقى صالح على ذات الاسم لكان أجمل. لذا أصرّيت على أن يكون الفيلم الجديد بنفس اسم الرواية وهو "عائد إلى حيفا".

أخبرني بسام أبو شريف، الذي تولّى مسؤولية الإعلام بعد غسان كنفاني، أن ما يستطيع المكتب السياسي تقديمه من أجل الفيلم (50) ألف دولار فقط، في حين كان تكاليف الفيلم نحو مليون دولار، لكنني وافقت.

اخترتُ الممثلين، وفي لبنان اقترحَت عليّ المخرجة "رندة الشهّال" أن أعطي دور "صفيّة" للفنانة حنان الحاج علي، ونصحوني بالمُغني اللبناني بول مطر كونه يتحدث الإنجليزية بطلاقة، واخترتُ بعض الممثلين من المخيم، ومن ثم ذهبت إلى مخيميْ نهر البارد والبدّاوي، وعشت ثلاثة شهور هناك، وكُنت أنظّم دورات ثقافية واجتماعات ضخمة للجماهير، وأخبرتهم بأننا بصدد إنتاج فيلم، وأبلغتهم بتجهيز ما لديهم من ملابس قديمة جدًا، وطلبت منهم بأن يحضروا الاجتماعات وهم يرتدون تلك الملابس.

aa2f7826-34c7-4d0d-b607-3338f43b4ca3
 

جمعتُ حوالي ثلاثة آلاف شخص من المخيم، وكنت أدربهم على الحديث والانتباه الجيد خلال التمثيل، وكيفية سماع الملاحظات، وعدم الالتفات إلى الكاميرا.. وغيرها.

بعدها، كانت محطّة مهمّة، وكُنا أمام تحدٍّ لجعْل ميناء طرابلس شبيهًا بميناء حيفا، فذهبت إلى رشيد كرامي وكان رئيسًا للوزراء في لبنان آنذاك. أخبرته أننا نريد حجز الميناء ليومٍ واحدٍ كامل، فوافق على طلبنا، ثم أحضرتُ المصورين وأخبرتهم بالاستعداد، كما وذهبتُ إلى الصيادين في الميناء وأخبرتهم بما نودّ فعله، فأعطونا زوارقهم متنازلين عن يوم عمل، وهناك من أعطانا بواخرَ بريطانية قديمة، وخيّطنا العلم البريطاني وأصبحنا تقريبًا جاهزين للتنفيذ.

7d9e73dd-75da-4e4a-bc01-43c04c82c632
 

بعدها تواصلتُ مع رئيس الجمهورية سليمان فرنجية؛ كُنا نريد مجموعة من المقاتلين ليأخذوا دور "الجنود الإسرائيليين"، فرفضوا، وبصعوبة أقنعهم فرنجيّة بأن "هذا العمل يخدم القضية الفلسطينية لا العكس، إنه مجرد تمثيل".

1a657710-ecfd-421c-ae38-5792fed99382
 

جهّزنا مواقع التصوير، وأخبرت ناقدًا سينمائيا ألمانيًّا وإسمه "فولف ريشتير" وهو صديقي، خبرته بحاجتنا لممثلة تتحدث الإنجليزية بطلاقة، فنصحني بالممثلة "كريستينا شورن" وهي أفضل ممثلة في المانيا، لكنها ممثلة مشهورة ولا تقبل بأقل من مليون دولار للتمثيل في مثل هكذا فيلم، ونحن كلّ ما لدينا (50 ألف)، فذهب إليها صديقي المخرج المساعد جبريل عوض وفاتحها بالموضوع،  وأخبرها بدورها، مع التأكيد بأننا "ما عِدنا فلوس"، فقالت "أقرأ السيناريو أولاً"، وبعد قراءة السيناريو، وافقتْ.

6dc38234-20a6-496d-ac71-fffbd170abd6
 

مشهد الهجرة

كان تصوير مشهد الهجرة الجماعية من أصعب المشاهد على الإطلاق، وأنا أعمل فقط بثلاث كاميرات، ولدينا مدير تصوير واحد، ومدير إنتاج واحد وهو العبقري محمد سالم "أبو عبدو". فأخبرته أنّني أريد طائرةً لاستخدامها في تصوير مشهد الهجرة من الجو، وكان إيجار الطائرة 60 ألف ليرة في الساعة الواحدة فقط، فقلت له "دبرني أبو عبدو".

في المساء أخذني أبو عبدو إلى القيادة السورية وشرحتُ لهم الفيلم بالكامل، وأخبرتهم أيضًا بأننا لا نملك المال، وعلى عكس تخوّفي فقد وافقوا. بعدها هبطت الطائرة الهولوكبتر في حديقة المكان الكبير الذي تأجرناه للتصوير.

4837f83e-d274-48b0-8eaa-c403e906847b
 

الآن كل شيء جاهز، الممثلون والمعدّات وغيرهم، لم يتبقَّ لنا سوى البدء بالتصوير، لكن الممثلين السوريين كانوا معتادين على الأكل الشامي الفاخر، وليس على "شوية لبنة وفلافل". بصراحة كنت محرجًا للغاية، فهاتفني أثناء العمل بسام أبو شريف وسألني ماذا ستطعم الممثلين؟، فأجبته "شوية لبنة وفلافل، وزعلانين عليَّ"، فأخبرني أنّه سيُرسل 80 ألف دولار لتضاف على ميزانية الفيلم، كانت تبرعًا من إحدى الجهات، وأكمل لي مُمازحًا "ستُطعمهم الليلة دجاج".

مشهد الهجرة، عظيم جدًا، لذا دعوتُ كل الصحافة اللبنانية لتغطيته، مع توفير سيارات لهم من بيروت إلى طرابلس وأماكن للمبيت. كان من المفترض أن يتمّ تصوير المشهد في ساعات الفجر، وكان مشهدًا دقيقًا جدًا، إذا فشل فلن أستطيع إرجاع ثلاثة آلاف ممثل ومجموعة كبيرة من المراكب لتصويره من جديد.

كانت كاميرا في الطائرة، وكاميرا في البحر، وكاميرا على الأرض، وأنا أوجههم من خلال جهاز "الووكي توكي"، أذكر ليلتها أن مدير التصوير طلب مني الذهاب للنوم فرفضت، وصممتُ على أنّني لن أنام حتى أطمئنّ على المشهد. كُنتُ تمامًا كما الشخص الذي يجرح، فيتحامل  على جراحه ولا ينهار إلا بعد وصوله المشفى، وهكذا أنا، أردت أن أرتاح وأنام لكنّ ليس قبل انتهاء المشهد لأكون مطمئنًا.

"المشهد الحلو خِربْ"

بدأت الجماهير والمراكب بالتحرك، والكاميرات بدأت تلتقط المشاهد، وإذ فجأةً يظهر شخصٌ مدسوسٌ من "الزعران" يرتدي بنطال (جينز) وقميصًا أصفر "عليه شغلات أمريكية" ويُريد أن يظهر في الفيلم، وجدتّه جالسًا في إحدى المراكب ويلوح بيديْه للكاميرا، لقد أفقدني صوابي "المشهد الحلو خِرب"، فحاشني من كان بجانبي عنه، وقلت لهذا الشخص "ليه ما قِتلي من أول، كان صورتلك مشهد لحالك، بس ما تطلعلي هيك بمشهدي"، يكمل "حول" بلهجته العراقية. 

085c4b5d-7916-4a0c-8eca-33095e683cfa
 

أرجعتُ الجماهير والمراكب من جديد، وأعطيتهم الإيعاز. أخيرًا نجح المشهد نجاحًا قويًا، مع أنه عندما كانت الطائرة تصوّر من الجو، كانت مجموعة من الطائرات "الإسرائيلية" تحوم حولنا، وحول الميناء، وانتهى المشهد بسلام.

بعد ذلك ذهبتُ للنوم، واعتبرت أن الفيلم انتهى بانتهاء تصوير هذا المشهد المعقّد.

بعد ذلك صوّرنا المشاهد الداخلية في الشام داخل أستوديو أهلي، ولم يكن يحتوي على تقنيات، في حين كنت مصممًا على تصوير هذه المشاهد بـ"الكرين" كي تدور الكاميرا مع الممثلين، ومع الأسف كان "كرين" الأستديو قديم جدًا ويصدر أصواتًا مزعجة أثناء التصوير، ولم يكن لدينا الإمكانيات لنشتري واحدًا جديدًا، التمثيل كان قويًا جدًا، لكن الإمكانيات كان متواضعة.

171c52d5-e44f-489b-a666-27a5285126e3
 

طوال مدة تصوير الفيلم، كان طاقم العمل يحيك ثوبًا فلسطينيًا مُتقنًا للممثلة الألمانية، تقديرًا لها، وصنعنا خارطة فلسطين بالذهب مع قلادة جميلة لابنتها في يوم ميلادها، وعزلت من الميزانية 10 آلاف دولار في ظرفٍ ورقي مع رسالة شكرٍ لها.

بعد أن نشروا صورتها على غلاف مجلة "ألمانيا الديمقراطية"، مع حوار كامل معها ومعي بخصوص الفيلم، تعرضت الممثلة كريستينا أثناء سيرها في الشارع لضربة قوية على رأسها بعمود من أحد الأشخاص المجهولين، ودخلَت المشفى، ولم نعلم حتى الآن ما إذا كانت خلفية الاعتداء سياسية أو شخصية، وبعد أن خرجَت من المشفى لم تخبرنا بشيء، لقد احتفظتْ بهذا السر.

015d6def-f730-413c-bda3-fb4cceb0790b
 

كان العرض الأول للفيلم صباح يوم اثنين، وكان التاريخ 23 أغسطس 1982، في صالة سينما الكندي في دمشق.

d1b30aec-bb29-4f9b-b751-fe5ee1798495
 

فوجِئتُ في آخر عرض للفيلم في باريس قبل عامٍ من الآن، بأنه ما إن انتهى العرض حتى وقف الجمهور ليُصفق بصورةٍ غريبة رهيبة، لم أشهدها من قبل طوال حياتي، صعدتُ على خشبة المسرح وبقي  الجمهور يُصفق بحرارة، جل أسئلتهم كانت حول كيفية تصوير هذا المشهد أو ذاك.

تنويه: قريبًا ستوفر "بوابة الهدف" نسخة من الفيلم ذات "جودة نظيفة"، لإتاحة مشاهدته للجميع.