Menu
Menu

في تقارير ومقالات

غسان كنفاني في ذكرى رحيله.. من رصد الواقع المشخَّص إلى الإبداع

الأسلوب الأخير هو ذلك الذي يتحقق عندما لا يتنازل الفن عن حقوقه مفضلاً الواقع

إدوارد سعيد*

سعيد البرغوثي | ستة وأربعون عاماً مضت على استشهاد كنفاني، وما زال على حضوره وإشعاعه، وإذا كان الشاعر الكبير محمود درويش قد حقق باقتدار ثنائية مدهشة بين المنبرية والحداثة، فإن الشهيد غسان كنفاني حقّق ثنائية أخرى، إذ أبقى عينه مفتوحة على الواقع الفلسطيني ولم يغادره على مدى مسيرته الإبداعية، ولكنه باقتدار أيضاً نجا من المباشرة رغم ما يرى فيها البعض ضرورة في خطابٍ يتوجه بالأساس لأناس بسطاء قاصرين عن فك رموز العملية الإبداعية وأسلوبها.. وكنفاني حقَّق ذلك رغم خطابه الموجّه بالأساس للإنسان الفلسطيني البسيط، ناقداً ومحرِّضاً وغاضباً.

السكون والانتظار المرهون بالوهم والعجز الذي كان يعيشه الفلسطينيون منذ النكبة عبَّر عنه غسان بحرقة حزينة بأعماله القصصية الأولى: أرض البرتقال الحزين، موت سرير رقم 12.. وغيرها.

إلا أنه غادر الحزن والحرقة ليتحوّل إلى التحريض يوم رأى أن الوهم والعجز ما زالا قائمين، وهكذا كتب «رجال في الشمس» عام 1963 ليقرع جرس الإنذار محرِّضاً «لماذا لم يدقوا، «تدقوا» جدران الخزان»؟

وفي عام 1966 عندما بدأت الحوارات الجنينية في أكثر من مكان، أحياناً همساً وأحياناً جهاراً، حول ضرورة انبعاث الكيان الفلسطيني وثورة التحرير، كتب غسان «ما تبقى لكم»، حيث كانت كل الأشياء تدقُّ وتنبض، فالساعة تدق، والخطوات فوق الصحراء تدق، والجنين ينبض في رحم الأم، وأيضاً الصمت يدق. ولكن غسان لم يكن مطمئناً كل الاطمئنان في رصده للحراك الجنيني المبشِّر بالانبعاث والولادة، فلم يكن ذلك كافياً مع استمرار الحضور الصاخب للمهانة، مهانة الفرار «كان الفرار موتاً».

ولاحقاً في رواية «أم سعد»، تحقّقت الولادة، ولدت خيمة الفدائي في مواجهة خيمة المخيم، تقول أم سعد «خيمة عن خيمة بتفرق».

وعندما كتب غسان رواية «عائد إلى حيفا» عام 1969، كانت المقاومة الفلسطينية المعاصرة في ذروة نهوضها، ولم تكن قد عرفت بعد أيَّاً من الاجهاضات، بل رأى فيها البعض إلى حدٍّ كبير، بديلاً عن القوى المهزومة عام 1967.

هنا أصبح غسان مهموماً بالانتماء، والانتماء فقط.. وهكذا خلص إلى مقولة الرواية «إن الإنسان قضية».

المتتبع لهذه الأعمال سوف يكتشف التلازم بين الرصد المشخَّص للواقع الفلسطيني وبين العملية الإبداعية بكل شروطها. وسوف يكتشف ذلك التوازن المدهش بين البنية الفنية المتجدّدة دائماً، وبين أهداف تلك الأعمال المحمَّلة بالرمز الذي تقتضيه العملية الفنية، الأمر الذي وفَّر لها القيمة العالية، كما وفَّر لها الديمومة، فلم تعد رهينة بزمان وحدث محدَّد. فغسان المبدع كان على وعي كبير بما يريد، وكان على تمكّن كبير من أدواته الفنية..

والسؤال هل كان لغسان أن يكتب «رجال تحت الشمس» في زمان «أم سعد»، وهل كان سيكتب «عائد إلى حيفا» زمن «رجال تحت الشمس»؟ الإجابة القاطعة، لا.. لأن غسان كان يكتب عبر رصدٍ صارم لواقعية مشخَّصة، لا تصادر استشرافاً لواقعٍ لاحقٍ مغاير، ونجت من أي شكلٍ من أشكال المباشرة.

كتب غسان «عائد إلى حيفا» عام 1969، عندما أصبحت الثورة الفلسطينية حقيقة ملموسة على الأرض، وأصبح هاجسه تحديد هوية تلك الثورة من جهة، والتحريض للذهاب بها حتى مداها من جهةٍ أخرى. كل ذلك عبر حدثٍ مفترض: سعيد. س وزوجته صفية يُجبران على ترك ابنهما الرضيع «خلدون» في سريره بمنزلهما في حيفا عام 1948، ويفشلان في استعادته عبر كل الوسائل بعد أن قذف بهما اللجوء بعيداً عن الوطن.

هاجس محاولة استرداد الطفل ولاحقاً الابن ظلَّ هاجساً يسكن عقل وقلب الأبوين عبر إفصاحٍ أحياناً، وسكوت متواطَأ عليه أحياناً أخرى، وعندما أصبح ذلك ممكناً بعد فتح بوابة اندلبوم عام 1967، تطلب صفية من زوجها سعيد وقد لاحظت أرقه، واكتشفت هواجسه الممرضة الكامنة وراء ذلك القلق، تطلب منه أن يصطحبها معه إذا قرَّر الذهاب إلى «هناك»، وهكذا كان.

يلتقي الأبوان بابنهما الذي لم يعد «خلدوناً» بل حمل اسماً آخر «دوف»، بل وأصبح ضابطاً في الجيش الإسرائيلي. هنا يدور بينه وبين مَنْ يُفترض أنه أبوه حوارٌ طويل، يطرح كل منهما حججه، فالأب يحاول إقناع خلدون بأنه ابنهما، وهو إنما قدم مع أمه لاسترداده إلى كنفهما، في حين يصرُّ «دوف» أن ليس له من أم وأب غير تلك السيدة اليهودية البولونية التي ربّته.. ويسأل، أين كنتما كل تلك المدة؟.. وتدور تساؤلات حول الانتماء والوطن تعصف بالعديد من القناعات الماضية لتؤكد أن «الإنسان قضية»، و«أن الوطن ليس هو الماضي فقط، وليس مجرد تفتيش تحت غبار الذاكرة، فلسطين أكثر من ذاكرة، أكثر من ريشة طاووس، أكثر من ولد».

وهكذا وأمام هزيمة سعيد. س بمواجهة «دوف» وبمواجهة القناعات الجديدة، لم يجد ما يدافع به عن نفسه سوى أن يضع «دوف» أمام ما ظنّه مأزقاً، قال له، إن لديه ابناً آخر اسمه «خالد» مدّعياً أنه الآن مع الفدائيين، في حين أنه كان يمنعه دائماً من الانضمام إليهم، ويسأله: إذا صدف وتجابهتما أنت وأخوك ما هو موقفك؟ وتأتي الإجابة المريرة: إما أقتله وإما يقتلني، فلكل منا قضيته، والإنسان قضية.

لم يكن أمام سعيد . س سوى الاعتراف بصدقية تلك المقولة، الإنسان قضية، بعيداً عن أي انتماء عرقي أو قومي أو طائفي، معلناً هزيمته في مهمته، فتسوية الأمر «تحتاج لمعركة أخرى». فلا استرداد صورة فارس اللبدة، ولا استعادة «خلدون» تعني شيئاً.. وكل ذلك سيكتسب مشروعيته تلقائياً، فقط بعد استرداد الوطن.

ترتقي الرواية لذروة التحريض عبر إشارتها للصمت الذي لف سعيد. س وزوجته طيلة طريق العودة «فقد ظلَّ صامتاً طوال الطريق، ولم يتلفظ بأيما شيء إلا حين وصل إلى مشارف رام الله، عندها فقط نظر إلى زوجته وقال «أرجو أن يكون خالد قد ذهب أثناء غيابنا».

لقد تمَّ تناول تلك الرواية كمرجعٍ لعملين سينمائيين أولهما حمل عنوان الرواية نفسها «عائد إلى حيفا» مجسِّداً أحداث وشخوص الرواية كما وردت عند غسان، وأُنجز في زمن إنجاز الرواية تقريباً حيث الواقع لم يتبدل بين زمن الرواية وزمن الفيلم.

أما ثانيهما فقد حمل عنواناً مغايراً «المتبقي» متكئاً على الحدث الأساسي في الرواية، الطفل المتروك في سريره وحيداً في أحد منازل حيفا، حيث تتبناه عائلة يهودية. هنا يتدخل المخرج الإيراني «سيف الله داد» مضيفاً للفيلم شخصية جديدة غير موجودة في الرواية، هي «الجدّة» التي تعمل المستحيل لإنقاذ الطفل من العائلة اليهودية، إلى أن تتمكن من ذلك عبر مغامرة خطرة، فهي الفلسطينية التي تحفُّ بها الشكوك من كل جانب.

قراءتنا للفيلمين لا تهدف لتقييم فني، بل لزاوية تناول كلٍّ منهما في زمنين مختلفين، زمن الحلم والنهوض، وزمن النكوص والتعثّر.

فالعمل الأول كان مطابقاً تماماً لأحداث الرواية، في حين جاء العمل الثاني «المتبقي» في زمن الانكفاء والإحباط، وهذا ما دفع المخرج الإيراني للتدخل في المعالجة بإملاءات من واقع ثورة منكفئة، وأصبح الطفل «خلدون» وليس «دوف» هو «المتبقي» بما يحيل على المستقبل، وأصبحت «الجدة» هي الراعية لمستقبلٍ مغاير تغذّيه ذاكرتها. إلا أن المخرج الإيراني أقحم دوراً باعثاً على الشك من موقف المسيحيين ضمن عملية الصراع، بسبب إيديولوجية سابقة دفعت به للقفز عن الواقع. فالمسيحيون الفلسطينيون كانوا دائماً في بؤرة الصراع، ودفعوا الأثمان نفسها التي طالت الشعب الفلسطيني بكل تشكيلاته الإثنية.

والسؤال هنا: هل أساء مخرج «المتبقي» للرواية بتدخله بأحداثها وشخوصها ومصائرهم، والسؤال يستدعي سؤالاً آخراً، لو أن غسان كتب «عائد إلى حيفا» في زمن انكفاء الثورة وتعثرها، أي زمن إنجاز فيلم «المتبقي»، هل كان كتبها بالأحداث والهواجس نفسها؟ للإجابة على ذلك، لا بأس من العودة لقصةٍ قصيرة كتبها غسان بعد هزيمة حزيران عام 1967، وهو زمن مشابه لزمن إنجاز «المتبقي» بعنوان: «الطفل يكتشف أن المفتاح يشبه الفأس».

تتناول القصة منزلاً في إحدى قرى فلسطين الشمالية له باب كبير ليس كأبواب منازل القرية، وله مفتاح لا يشبهه أيٌّ من مفاتيح أبواب منازلها، فهو يشبه الفأس. وهكذا أصبح معروفاً لأهل القرية بـ«المفتاح». يرحل أهل القرية إلى لبنان عبر رحلة اللجوء، ويصطحب بطل القصة مفتاح المنزل في تلك الرحلة، ويضعه لاحقاً في غرفة الجلوس في منزله الجديد في بيروت، واضعاً مسماراً في حلقة المفتاح وآخر تحت ذراعه بحيث أصبح متوازياً مع الأرض. ويتزوج الرجل ويُرزق بابن يكبر مع السنين، فيما تعتمل في صدر الأب أمنية، أن تتحقق المعجزة، ويكتشف الابن أن المفتاح يشبه الفأس.

في أحد الأيام يعود التيار الكهربائي بعد انقطاع، ويصدر عن المذياع القابع تحت المفتاح صوت عال يخلخل هواء الغرفة، ويسقط على إثره المسمار الذي تحت ذراعه، ويبدأ بحركة تشبه حركة بندول الساعة. «فجأة قال ابني انظر انظر إنه يشبه الفأس».

قصة مفعمة بالرموز، وقصة تتماهى مع اللحظة، وقصة تستشرف مستقبلاً مغايراً لزمن الهزيمة، فمعظم الشهداء الذين سقطوا على أرض فلسطين اكتشفوها، كما اكتشف طفل غسان أن المفتاح يشبه الفأس.

في تلك الأيام فعلت تلك القصة فعلها، وليس في الأمر مبالغة إذا قلنا أنها أعادت الكثير من التوازن لأولئك الذين أودت بهم الهزيمة إلى أعماق اليأس، فأخذوا ينظرون إلى المستقبل بكثير من الأمل.

أليس في «المتبقي» صورة مشابهة لطفل غسان الذي اكتشف بعد سنين أن المفتاح يشبه الفأس، ثم أليس هو ذلك الطفل «المتبقي» الذي يبشِّر بمستقبل مغاير.

غسان كنفاني في كل إبداعاته، لم يغادر فلسطين إلا نادراً، وأبقى عينه مفتوحة على الواقع الفلسطيني منخرطاً فيه حتى العظم، وبفنية عالية نجت كل إبداعاته من المباشرة التي تقتل الإبداع.

ستة وأربعون مضت انقضت على رحيل كنفاني، في ذلك اليوم القائظ من تموز 1972، وكأنه اليوم، وما زال كنفاني على حضوره وإشعاعه وكلما عاودتنا ذكرى رحيله، يداهمنا كمٌّ من الحزن كذلك الكم الذي داهمنا يوم استشهاده، وكأنه حزنٌ يتأبى على النقصان، وكأن لا بديل عن رحيله ورحيل الشهداء إلا استرداد الوطن، عندها سيداهمنا حزن شفيف لأنهم ليسوا بيننا.

* أفكار حول الأسلوب الأخير – إدوارد سعيد – مجلة الكرمل – العدد 81 خريف 2004.