Menu
Menu

في تقارير ومقالات

حوار مع الفنان محمد الركوعي.. حول غسان كنفاني بوصفه فناناً تشكيلياً

أجرى الحوار: وليد عبد الرحيم | الفنان محمد الركوعي ، فنان فلسطيني مقاتل ببندقيته و بريشته وقلمه ، قضى سنوات عدة في معتقلات الاحتلال الصهيوني، ثم تحرر من الأسر عام 1985.

ولد محمد الركوعي في مخيم الشاطئ- قطاع غزة في العام 1950 و درس في دار المعلمين في غزة- اختصاص التربية الفنية، كما قام بتدريس الفنون في عدة ثانويات في قطاع غزة.

له عدة معارض فنية كفنان تشكيلي في عدة بلدان، حيث كان أول معرض له في نادي وكالة الغوث في مخيم الشاطئ في غزة 1970 واستمر في الرسم داخل الزنازين خلال سنوات اعتقاله التي دامت ثلاثة عشرة عاما.

يعتبر من الفنانين المثابرين وله مساهمات في الحفاظ على التراث الفلسطيني.

في دمشق، كان لبوابة الهدف لقاء مع الفنان محمد الركوعي، وهذا الحوار في الذكرى السادسة والأربعين لاغتيال المبدع غسان كنفاني.

س: أستاذ محمد، بوصفك فناناً تشكيلياً وفلسطينياً، بأي عين ترى غسان كفناني تشكيلي؟

ج: أولا بالنسبة لأعمال غسان المعروفة ألحظ فيها احترافية عاليةً، على الرغم من أنه لم يدرس الفنون، وذلك من خلال متابعة سيرة حياته ومنجزاته الفنية ولوحاته، يمكن ببساطة استنتاج  أن هناك فجوة ومرحلة مفقودة لم نشاهدها ، فاحترافه في الرسم لا بد أن يكون قد مر بمرحلة لم نعرف عنها الكثير أوربما عرف عنها البعض قليلاً .

من جهتي أيضاً، ألاحظ بأن لوحات غسان كانت جميعها بسوية فنية واحدة.

س: واحدة أم متقاربة؟ فلوحة فلسطين ربما تتفاوت في فنيتها مع لوحة الرجل مع الحصان، ألا ترى ذلك؟

ج: تتفاوت نسبياً فقط، فلوحة الفارس مثلاً لوحة واقعية ، وكان يريد من خلالها إظهار عامل القوة الكامنة فينا، وكان ذلك في لحظة الهزيمة!.

أما لوحة كلمة فلسطين فقد اتخذت منحى آخر باعتمادها فن الزخرفة والخط وباحترافية عالية، وما زالت على جماليتها حتى اليوم، حتى أنني أقول لك بأن كلمة فلسطين لم تكتب بمثل جماليتها التي خطها غسان حتى الآن. وتتشابه معها لوحة الحصان، التجريدية الزخرفية.

س: ما الذي شدك بلوحة الفارس، الشكل أم المضمون أم كلاهما ؟

ج: اعتقد بأن غسان كنفاني بعد تذوقه لطعم الهزائم العربية أمام العدو فكر أو خطر في باله نموذج عنترة بن شداد مثلاً، أي نموذج القوة من خلال الضعف ،رغم أن عنترة شخصية فردية لكنه جعل منه تعبيراً عن العمل الجماعي بتجميع الأفراد في فرد.

س: ، قليلة لوحاته، ولكن ماذا عن اللوحات التي تتناول المرأة؟

ج: قرأت أم سعد، وقد رسم أم سعد، وكان غسان يرسم اللوحات لأغلفة قصصه ورواياته على الرغم من أننا لم نرها على الأغلفة ذاتها! احتمال أن ذلك كان بسبب تسويق دور النشر أو أنه يختصر ويكتفي بالكلمات!

مجموعة النساء أعني الكتلة ذات الألوان الزرقاء والرمادية، بالنسبة لي أشاهدهن فيها حزينات وأنهن كن يودعن شهيداً ، هكذا أراها شخصياً.

س: هل تقصد بأن غسان كان كفنان تشاؤمياً تراجيدياً ؟

ج : على العكس، أعتقد بأن شخصية غسان تفاؤلية ومحرضة على الفرح، فمثلاً كان يطلب من تلامذته رسم صحن الفواكه وليس المأساة الحاضرة، علماً بأنهم لاجئون وبعضهم ربما لم يتذوق الفاكهة، علمت بأن أحد الطلاب سأله وقتها عن الموز بقوله " ما هذا" أي أنه لم يعرف ما هو الموز، تخيل!

لقد كان في لوحاته انعكاسات لأدبه عن الفقر والتشرد واللجوء والمأساة والتجربة برمتها لكنه كان يتطلع إلى الغد.

س: على ذكر الغد، في لوحة قارئ الجريدة رمز سري قد لا يُفهم، كيف يفكه الفنان؟

ج: هو لم يرسم الرجل يقرأ كتاباً ، بل جريدة، بمعنى أن الرجل  يتابع الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية المحيطة حيث نتائج النكبة وهمومها. موقع قارئ الجريدة هو زاوية اللوحة السفلية، والنافذة الكبيرة المبالغ بكبرها هي نافذة للأمل والمستقبل ، لقد كان غسان تفاؤلياً، لاحظ أن الجريدة صغيرة والنافذة كبيرة!

الرجل أيضاً في اللوحة، وهذه من ناحية أخرى فيها إدانة ما ، فالرجل يركز على الجريدة ويتناسى الفضاء الواسع من حوله!.

س: وعلى ذكر الفضاء أيضاً إلى أي حد تختلف أو تلتقي الفضاءات الروائية والنثرية مع الفضاء التشكيلي عند غسان؟

ج: من خلال قراءاتي لأدب غسان وتأملي في لوحاته نجد أن التراجيديا موجودة في النوعين وكذلك فضاءات الأمل بالمقابل، وأكبر لوحة رسمها بالكلمات قصة رجال في الشمس ومقولة " لماذا لم تقرعوا جدران الخزان" هذه لوحة خالدة رسمت بالكلمات

لقد سلب أبو الخيزران ممتلكاتهم  بعد موتهم في" رجال في الشمس"، هو لم يكتف بموتهم ، من يقصد ب " أبو الخيزران" ، هذا السؤال يتم تداوله حتى اليوم.....

س: برأيك هل كان غسان يحاول التعبير من خلال لوحاته عما لم يستطع قوله في أدبه وكتاباته السياسية؟

ج: اللوحة مختصرة مكثفة، أما التعبير من خلال القص فأكثر مساحة، كان في كل نتاجه يطرح الأسئلة ولا يجيب.

س: لكنه أحياناً أجاب ،في لوحة المصلوب خط آخر ما هو مكنوناتها غير المرئية؟

ج: أولا لا نستطيع سؤال غسان اليوم ، ولو كان موجوداً لسألته لماذا صلبت المسيح عبر ساعة وعقارب ساعة وفي فترة ظهور المسيح أصلا لم يكن هناك ساعة، المسيح كان في الواقع مسمراً بمسامير، في اللوحة هو مربوط بقيود وسلاسل ! ، هذا اختلاف فني مقصود، وتحليلي أن غسان رسم الظلم الواقع على شعبه الذي صلب من قبل عدو طرده من أرضه وقيد على الحدود أيضاً، وقيل بأن اللاجئين عائدون ولهذا رسم الساعة للدلالة على الزمن!.

س: المسيح رمز ثابت للفلسطيني إذاً؟

المسيح هو شعبه المصلوب والقيود هي الحدود والموانع التي تمنعه من العودة، ويراهن غسان على معركتنا مع عامل الزمن، وحتى الساعة لم تحدد ساعة العودة.

س: لوحة الرجل بالكوفية والزي التراثي الفلسطيني ويده على وجهه، ألا تعتقد أنها قراءة مماثلة للوحة الرجل الذي يقرأ الجريدة، بمفردات أخرى تصب في نفس المعنى؟

ج: الأول مترقب للأحداث اليومية وهمومها، والآخر منكسر، هناك فارق بينهما وربما ينظر إلى ساعة المصلوب ونهايات الصبر والنكبة، الرجل مكتئب وحزين ويتماثل أكثر مع لوحة النساء اللواتي كن قد شيعن الشهيد.

غسان ركز على الكتابة والسياسة والنضال وأعتقد على الرغم من أهميته فقد اعتبر الرسم ثانوياً، ربما أصبت أو أخطأت،هذه وجهة نظري.