Menu
Menu

في أعمال ومؤلفات

"أنقذتني الصدفة".. قصة نادرة لغسان كنفاني

فلسطين اليوم

في الذكرى 46 لاستشهاد المثقف المقاوم، غسّان كنفاني، تنشر بوابة الهدف قصة قصيرة بعنوان "أنقذتني الصدفة"، من القصص النادرة لغسان، خطتها يداه وهو في المرحلة الثانوية، عندما كان أحد طلاب المدرسة الثانوية الأهلية.

أنقذتني الصدفة

أقعدني مرضي عن الذهاب للمدرسة بضعة أسابيع تعودت خلالها الاهمال المستمر، وطالعني في اليوم الأول لذهابي للمدرسة اعلان يناشد فيه مدير المدرسة الطلاب أن يستعدوا لمقابلة المفتش الأجنبي الذي أرسل ليرى مدى تقدمنا في شتى الميادين !

التاث علي الأمر! ووجدتني على حين غرة في وسط الميدان لا أستطيع التراجع ولا أجرؤ على التقدم، وبقيت بين مد وجزر ساعات طوال، تصطرع بين جدران جمجمتي أفكار سوداء ويصطخب في أعماقي صدى فشل رهيب بات يقبع قاب قوسين أو أدنى !

ودق الجرس، ودخلنا الدرس الأول، ومضى الدرس وكأني لم أكن فيه. ودخلنا الدرس الثاني وقد ازداد خفق قلوبنا ووجيب صدورنا، وفجأة ران علينا الصمت ونحن نرى المفتش الانكليزي يدخل من الباب محمر الوجه منتفخ الاوداج ووقف في منتصف الصف يتقدمه كرشه المنتفخ وأجال فينا عينيه الصغيرتين الزرقاوتين ثم اندفع الى أحد زملائي يسأله بلهجة عجلى ووقف زميلي يجيب مزهوا كالديك الرومي ! يا الله ! ماذا لو سألني الآن ؟!

وحاولت بعد هذا الخاطر أن أخفي رأسي خلف كتفي زميلي ولكن المفتش لمحني فأشار علي بالوقوف وهو يهز رأسه ففعلت وأنا لا أعي ! وأتلعت الي الأنظار ما بين مشجع ومثبط حتى صحوت على صوته الدقيق يشق أذني:

  • من هو مخترع الآلة البخارية ؟؟

ووجدتني حائرا لا أجيب ! وأحسست أن قدماي باتتا أضعف من أن تحملاني ! ولكني رفعت رأسي ببطء وكمن يريد أن يكتسب مزيدا من الوقت ليبحث لنفسه مخرجا من مأزقه قلت وأنا أحاول أن أسيطر على أشتات شجاعتي وتماسكي: What  ماذا ؟؟  

ولكن صوتي كان أجشا مرتجفا !!

وتقدم الكرش الضخم يتبعه المفتش ببطء لحيث أقف !

أما أنا _ وبعد أن لمحت كفه المزدوج الاحمر _ صلبت عضلات فكي . وتمسكت جيدا بالمقعد !

ووصل الي بعد لأي، ثم رفع يده ببطء وكأنها قطعة من خشب عتيق وربت على كتفي بلطف وهو يصيح بلهجته العوجاء.. فيهتز شاربه الاشقر : _ جيد ! جيد !

لم أفهم مما جرى لي شيئا ! فكنت كالضائع في مجر شبيه الاطراف اتخبط فيه كيفما عن على بالي ..

ولكني ابتدأت أدرك كل شيء عندما قال لي زميلي والمفتش يحشر نفسه بين دفتي الباب يحاول الخروج ..

لقد كنت سريعا بالاجابة ! صدقني اني أنا لم أكن أعرف أن مخترع الآلة البخارية هو العالم .... (( واط )) !! .

                                                          غسان كنفاني

                                                              المدرسة الثانوية الأهلية

----------------------------

ملاحظة: الأقصوصة موجودة ضمن النص الكامل لبرنامج ركن الطلبة الذي أذيع بتاريخ مساء الثلاثاء 24 – 11 – 1953. وأرفقت بالنص المكتوب كما كتبها صاحبها بخطه الواضح على ورق مسطر. وفي أعلى الصفحة الأولى من زاوية اليسار توقيعان. التوقيع الأول لعبد الهادي البكار يؤكد فيه على صلاحيتها من ناحية الفكر. ويظهر قلم الدكتور الأحمر فوق كلمة "المفتش الأجنبي" كإشارة الى حذفها واستبقاء كلمة مفتش فقط.

وقد أثرنا أن ننشر القصة كما كتبها غسان دون تعديل حتى في الأخطاء اللغوية.