Menu
Menu

في قالوا عنه

يوسف إدريس يروي.. عن غسان كنفاني

د. حسن حميد | يظن بعض القراء، وربما الكتّـاب، في آن، أن الكتابة عن الأديب غسان كنفاني سهلة، ومتاحة لأن تجربته الأدبية انتهت باستشهاده، ولأن سيرته في الحياة والنضال والكتابة انتهت حين تحدث عنها الأقربون والأبعدون، وأن مزايا أدبه باتت معروفة في خطوطها العامة، وكل هذا صحيح، لكن ما هو غير صحيح يتمثل في أن الكتابة عن الأديب غسان كنفاني صعبة، وصعبة جداً، لأن جماليات هذه التجربة الأدبية، والمقولات النقدية التي رافقت أو لحقت ما تزال حتى هذه الساعة قابلة للمضايفة، والقول يتعدد بتعدد القراءات، وكشف أسرار الكتابة الكنفانية رهين بالعين الرائية ذات الحساسية والنفوذ.

هنا، وفي كتابتي هذه عن ساحر السرد الفلسطيني غسان كنفاني، لا أريد مواقفة أعماله الأدبية التي قرأتها وأنا في طور التكوين الأدبي فلاحقت أحداثها، ثم قرأتها في طور عيشي والإبداع في كتابات الآخرين ومنهم غسان كنفاني المعلم والأسطورة، وقد قلت رأيي فيها مراراً، ولا الحديث عن جوانب من سيرته الذاتية التي جعلت منه موقدة نار في اليقظة والمنام، وفي الليل والنهار، وفي العزلة والاجتماع، وفي الكتابة والتفكير، وإنما أريد الكتابة عن غسان كنفاني وفق مرايا بعض الأدباء الذين عرفوه، والصورة التي رسموها له في نفوسهم وعقولهم، وتجلياتها بعد رحيله المبكّر جداً، والعاصف جداً.

في حوار طويل، وطويل جداً، أجريته مع ساحر السرد العربي الدكتور يوسف إدريس في منتصف عقد الثمانينيات، يوم جاء إلى دمشق ضيفاً على مهرجانها السينمائي، أخذ مني أياماً وأنا أعدّ أسئلته التي نيّفت على مئة سؤال حول أمور ثلاثة، أولها: سيرته الذاتية وأدبه، وثانيها: الثقافة والأدب في مصر كتباً وأعلاماً وتجارب، وثالثها: عن الأدب الفلسطيني وموضوعاته، وأعلامه، ولأنني بقيت ست ساعات أو أزيد في حضرة الدكتور يوسف إدريس، أسأله وهو يجيب، على فترات ثلاث، في أيام ثلاثة، فإن الحوار كان مشروعاً لكتاب، وكل من رأى أوراقي الكثيرة والثقيلة بين يديَّ وقد رنّخها الحبر وأنا أخرج من غرفته في فندق الشام الدمشقي، قال: لقد خرجت بكتاب عن د. يوسف إدريس. ومع أن الفكرة كانت جوّالة في رأسي حين أحسست بأنني أنجزت فعلاً ثقافياً مهمّاً تمخض عن تفريغ المخزون الثقافي الكبير عند د. يوسف إدريس على الورق، وقد نشرت أجزاء من هذا الحوار الطويل في غير صحيفة ومجلة، وبقي قسم منه لديَّ. ما يهمني هنا هو أنني سألت الدكتور يوسف إدريس عن المعلم غسان كنفاني، وهو الذي قدّم أعماله القصصية، أعني أعمال غسان كنفاني، في صفحات طوال مضيئة، فقال: غسان كنفاني ليس كاتباً قصصياً، وإنما هو ظاهرة أدبية تفوق حدود دائرتي الرواية والقصة القصيرة، وهذا رأيي ليس مديحاً لاستشهاده النوراني الذي كتب له ولادة أبدية ذات ديمومة، وإنما هو رأي كتبته ذائقتي الأدبية حين قرأته في مدونته، قلت له يومذاك: وهل قرأت قصص غسان كنفاني قبل رحيله؟! قال: لا، لم أقرأ له حرفاً واحداً، كنت أسمع باسمه سماعاً، وأرى بعض نصوصه منشورة في بعض المجلات التي تصل إليَّ، ولكن لم أقرأ له، وقد قلت له ذلك في إحدى المرات التي زار فيها صحيفة الأهرام، وقد وعدني بإرسال مجموعة من مؤلفاته إلى الأهرام وبإهداء منها شيئاً لأن ظروفي حالت بيني وبينها أو أنها شغلتني عنها! قلت للدكتور يوسف إدريس، وهل هذا موقف منك تجاه أدب المقاومة الفلسطينية، قال: لا! ولكن لك أن تعرف بأنني أكره الكتابة الإيديولوجية والتعبوية، كثير من أدباء فلسطين ما كانوا من أهل الأيديولوجية والتعبئة، ومنهم أميل حبيبي، وجبرا إبراهيم جبرا، ومحمود درويش إلى حدّ بعيد.

كنت أسمع من بعض الأصدقاء، وعبر لقاءات كثيرة، أن القصص والروايات الفلسطينية والكثير من القصائد والمسرحيات تحتشد بالدماء، الشهداء، والسجون، والأحزان، وبكاء الأرامل والأمهات والحبيبات، وهذا أمر طبيعي لأن حالة الفقد ضربت المجتمع الفلسطيني كله كما لو أنها زلزال، قلت للدكتور يوسف إدريس سائلاً: لكن أنت لك تجربة في أدب المقاومة حين كتبت قصصاً عن بطولات أبناء مصر وهم يدافعون ضد العدوان الثلاثي عن بلدهم سنة 1956، كتبت عن بورسعيد، والعريش، وضفاف قناة السويس التي صبغت بالدماء، قال: صحيح، وعادة لا أذكر تلك القصص إلا بوصفها تاريخاً أو مقطعاً عرفياً عن سيرورة تاريخ عاشته مصر، قلت له: في وقت الحريق لا وقت لتفقد القيافة؟! قال: صحيح، ولكن الأيديولوجية ومضامين التعبئة أفقدت الأدب جمالياته، والاهتمام بالمكان وتفاصيله بعثر الاهتمام بالناس واجتماعهم ومشاعرهم وما يحلمون به، وأضاف بالمناسبة توجد أولويات لأحلام الناس، والخبز، والأمن، الصحة، العاطفة... أمور نفكر بها قبل أن نفكر بالوطن، الوطن حالة عقلانية تشتغل عليها المشاعر طويلاً حتى تصير معنى. سألت د. يوسف إدريس: ومتى قرأت بعض أعمال غسان كنفاني؟ قال: بعد استشهاده مباشرة (على طول) أردت أن أعرف لماذا اغتاله الإسرائيليون، قلت: وماذا وجدت، قال: كائن خرافي! كائن خرافي بحق؛ إذ كيف لشاب بعمره 36 سنة تطلب (إسرائيل) رأسه، ويستطيع الكتابة، وبهذه النوعية المحيرة، وبهذه الكمية المذهلة، ويكون سلوكه بهذا الصفاء والنقاء والكبرياء، وتكون موهبته بهذه الكفاءة، وتكون الثقة به إلى هذا الحد الخرافي من الفلسطينيين. اغتيال غسان كنفاني أزال الدوائر السود التي غطينا بها عيوننا سنوات كي لا نرى أهمية ما يكتبه الفلسطينيون، كنا نظن كتابتهم هي غناء حزين مصاحب للجروح كي ينالها شيءٌ من الخدر ولكن لم نكن سوى أهل ظن لأن كتابة الفلسطينيين، وفي طليعتهم غسان كنفاني، كانت كتابة عن حلم العودة إلى الأرض، والتاريخ، والمكانة الحضارية. [هنا أذكر، وهذا ما سجلته في الحوار مع د. إدريس، وأنا مطروب، قال لي حضارة فلسطين لغةً، وفنوناً، وأدباً كانت منافسة مع حضارة مصر العريقة لغة وفنوناً وأدباً وفي جميع مناحي الحياة.. زراعة، صناعة، عمارة، أنا لم أزر فلسطين، لكن أهل الفنون المصرية، أهل الغناء، والمسرح، والفرق الفنية، كانوا يتحدثون عن المدن الفلسطينية: حيفا، يافا، عكا، الناصرة، طبريا، القدس، كما لو أنهم يتحدثون عن لندن، وباريس، وفيينا.. يتحدثون عن النظافة، والشوارع الوسيعة، والحدائق، والعمارات، والمدارس، والمشافي، والمقاهي، والثقافة، والفنون. وقد دعيت أكثر من مرة لزيارة قطاع غزة قبل عام 1967، ومنها دعوة من الكتّـاب الفلسطينيين للمشاركة في الإعلان عن تأسيس اتحادهم لكن ظروفي لم تسمح لي، وقد كان من بين الأدباء المؤسسين لهذا الاتحاد غسان كنفاني، وخيري حمّاد المترجم الفلسطيني المعروف جداً في مصر].

قصائد يوسف الخطيب، وأبو سلمى، وعبد الرحيم محمود، والجيل الشعري الذي تلاهم أعني جيل محمود درويش، وجيل السرد، المهم في فلسطين المتمثل بـ جبرا إبراهيم جبرا وأميل حبيبي والجيل الذي تلاهما أعني جيل غسان كنفاني، وكاتبة اسمها سميرة عزام هو الذي جعلنا نتعلق بالوطن الفلسطيني لكي نرى فيهم صورة لوركا، وبابلو نيرودا ومكسيم غوركي وحمزاتوف مثلما رأينا في قادتهم صورة كاسترو، وجيفارا، ونيلسون مانديلا، وعبد الناصر، وهواري بومدين. سألت الدكتور إدريس عن الذي يقصده بصورة الأديب الفلسطيني وصورة السياسي الفلسطيني.. أهو يقصد الجدة أم الشغف بالروح الوطنية المطالبة بالحرية والعدالة، قال: الأمران معاً، فالأدباء الفلسطينيون أدخلوا الموضوع الفلسطيني إلى الحياة العربية ليس بمعنى أن يكون خبراً أو حدثاً، وإنما بمعنى أن يكون قضية عدالة وحرية ووجع إنساني، هنا في مصر مجموعة من الأدباء الفلسطينيين، من شعراء وكتّـاب قصة وإعلاميين وفنانين استطاعوا التأثير في الحياة الثقافية المصرية حين شدوا الانتباه إليهم بحضور مواهبهم وجماليات ما يقولونه، وقد كانت القضية الفلسطينية بحاجة إلى أدباء أفذاذ من طينة غسان كنفاني في السرد ومحمود درويش في الشعر كي تحلق في الوجدان العربي والعالمي، أذكر أنني حضرت أمسية شعرية لـ محمود درويش كان حضور الجمهور الكثيف يشبه حضور الحرارة الكثيف، ولم تكن تلك الأمسية أمسية شعرية بل تظاهرة وطنية لأن محمود درويش، وعبر قوة نصه وامتلائه بالثقافة، وطريقة إلقائه بهر الخلق، فجعلهم يحسون أنهم في مسرح أو سيرك أو تظاهرة شعبية في شارع.